الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ومن زنى في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا لا يقام عليه الحد ) . وعند الشافعي رحمه الله يحد لأنه التزم بإسلامه أحكامه أينما كان مقامه . ولنا قوله عليه الصلاة والسلام { لا تقام الحدود في دار الحرب } ولأن المقصود هو الانزجار وولاية الإمام منقطعة فيهما فيعرى الوجوب عن الفائدة ، ولا تقام بعد [ ص: 267 - 268 ] ما خرج لأنها لم تنعقد موجبة فلا تنقلب موجبة .

التالي السابق


( قوله ومن زنى في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا ) فأقر عند القاضي به ( لا يقام عليه الحد . وعند الشافعي ) ومالك ( يحد لأنه التزم بإسلامه أحكام الإسلام أينما كان مقامه ) قلنا : سلمنا أنه ملتزم للأحكام ، لكن الحد ليس يجب عليه حتى يكون ملتزمه بالتزامه أحكام الإسلام ، بل إنما يتضمن التزامه تسليم نفسه إذا وجب عليه الحد عند القاضي فقضى بإقامته عليه ، وليس الكلام في هذا بل في نفس وجوب الحد ، وإنما يجب على الإمام عند ثبوته عنده فهذا الدليل في غير محل النزاع .

فالوجه أن يقال وجب على الإمام الإقامة على الزاني مطلقا أينما كان زناه . وحينئذ نقول : امتنع بالنص وهو قوله عليه الصلاة والسلام { لا تقام الحدود في دار الحرب } ولأن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام عليه حال كونه في دار الحرب فلا وجوب ، وإلا عري عن الفائدة لأن المقصود منه الاستيفاء ليحصل الزجر ، والفرض أن لا قدرة عليه ، وإذا خرج والحال أنه لم ينعقد سببا للإيجاب حال وجوده لم ينقلب موجبا له حال عدمه ، لكن الحديث المذكور وهو قوله عليه الصلاة والسلام { لا تقام الحدود في دار الحرب } لم يعلم له وجود .

وروى محمد في كتاب السير الكبير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { من زنى أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدا ثم هرب فخرج إلينا فإنه لا يقام عليه الحد } ، والله أعلم به . وعن الشافعي قال : قال أبو يوسف : حدثنا بعض أشياخنا عن مكحول عن زيد ابن ثابت [ ص: 267 ] قال : لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو . قال : وحدثنا بعض أصحابنا عن ثور بن يزيد عن حكيم بن عمير أن عمر بن الخطاب كتب إلى عمير بن سعد الأنصاري وإلى عماله : أن لا تقيموا الحدود على أحد من المسلمين في أرض الحرب حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة .

قال الشافعي : ومن هذا الشيخ ومكحول لم يدرك زيد بن ثابت ، وأنت تعلم أن هذا نوع انقطاع ، ومعتقد أبي يوسف أنه داخل في الإرسال ، وأن حذف الشيخ لا يكون من العدل المجتهد إلا للعلم بثقته فلا يضر على رأي مثبتي المرسل شيء من ذلك بعد كون المرسل من أئمة الشأن والعدالة ، وهذا الأخير رواه ابن أبي شيبة في مصنفه : حدثنا ابن المبارك عن أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن عمير به ، وزاد : لئلا تحمله حمية الشيطان أن يلحق بالكفار انتهى . أثر آخر رواه ابن أبي شيبة أيضا : حدثتا ابن المبارك عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن حميد بن عقبة بن رومان : أن أبا الدرداء نهى أن يقام على أحد حد في أرض العدو . وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن بسر بن أرطاة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لا تقطع الأيدي في السفر } انتهى . ولفظ الترمذي " في الغزو " وقال الترمذي : حديث غريب ، والعمل عليه عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي يرون أن لا يقام الحد في الغزو بحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو ، فإذا رجع الإمام إلى دار الإسلام أقام عليه الحد .

واعلم أن مع الأوزاعي أحمد وإسحاق ، فمذهبهم تأخير الحد إلى القفول ، وبسر بن أرطاة ويقال ابن أبي أرطاة اختلف في صحبته ، قال البيهقي في المعرفة : أهل المدينة ينكرون سماع بسر من النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان يحيى بن معين يقول : بسر بن أرطاة رجل سوء ، قال البيهقي : وذلك لما اشتهر من سوء فعله في قتال أهل الحرة ا هـ .

فلو أنه سمعه منه عليه الصلاة والسلام لا تقبل رواية من رضي ما وقع عام الحرة وكان من أعوانها . والحق أن هذه الآثار لو ثبتت بطريق موجب للعمل معللة بمخافة لحاق من أقيم عليه بأهل الحرب وأنه يقام إذا خرج وكونه يقيمه إذا خرج إلى دار الإسلام خلاف المذهب . فإن قيل : ليس معنى قوله في الآثار المتقدمة حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة أنه حينئذ يقيم حد الزنا الذي كان في دار الحرب بل إنه إذا صار إلى أرض المصالحة يقيم عليه حد الزنا إذا زنى .

قلنا : أظهر الاحتمالين الأول ، ولو سلم احتمالهما على السواء فلا يترجح الثاني ، وعلى اعتبار الاحتمال الأول هو خلاف المذهب مع أنه معارضة بما أخرجه أبو داود في المراسيل عن مكحول عن عبادة بن الصامت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { أقيموا حدود الله في السفر والحضر ، على القريب والبعيد ، ولا تبالوا في الله لومة لائم } والمرسل حجة موجبة . قال : ورويناه بإسناد موصول في السنن فلا شك في عدم صحة الاحتجاج بمثل هذا الحديث على عدم الوجوب من الأصل ، وأيضا معارض إطلاق { فاجلدوا } ونحوه فيكون زيادة . فإن أجيب بأنه عام خص منه مواضع الشبهة فهو مدفوع بأن الزنا نفسه مأخوذ فيه عدمها فإنه الوطء في غير ملك وشبهته ، فترتيبه سبحانه إيجاب الحد على الزنا ترتيب ابتداء على ما لا شبهة فيه فتكون هذه الأخبار مخصصا أول ، وأما الدليل العقلي المذكور فعليه أن يقال : لا نسلم أن عجز الإمام عن الإقامة حال دخول الزنا في الوجود يوجب أن لا فائدة في الإيجاب ، إنما ذلك لو عجز مطلقا فجاز أن يثبت الوجوب في الحال معلقا بالقدرة ، ولكنه يجاب بأنه لا معنى لهذا الكلام .

وتصحيحه أن يقال : جاز أن يثبت في الحال تعليق الإيجاب بالقدرة : أي إذا قدرت فأقم عليه ، فالوجوب معدوم في الحال وموجود عند تحقق القدرة في المأكل لأن المعلق بالشرط كذلك ، وحينئذ جوابه أن هذا المعنى ممكن لكن أين دليله ، فإن الآيات [ ص: 268 ] إنما تفيد تنجيز الوجوب لا تعليقه ، ونحن نعلم أن القدرة شرط التكليف فنعلم انتفاء مقتضاها في الزاني في دار الحرب فأين دليل تعليق الإيجاب حال زنا الزاني في دار الحرب باقتدار الإمام عليه ، فإذا لم يثبت لم يثبت تعليقه كما لم يثبت تنجيزه . فإن أجيب بأن تعليقه يثبت بما تقدم من الآثار المفيدة أنه إذا رجع إلى دار الإسلام أقامه يدفع بأنه معارض بحديث مراسيل أبي داود وهو يرجح الاحتمال المخالف للمذهب من ذينك الاحتمالين . وأيضا قد يقال عليه : لا نسلم أن حال الزنا يجب على الإمام الإقامة ، بل إنما يجب إذا ثبت عنده ، فقبل الثبوت عنده لا يتعلق به وجوب أصلا . وفرض المسألة أنه زنى في دار الحرب ثم أقر عند القاضي بعد الخروج أو شهد به عليه في غير تقادم وعند ذلك هو قادر ويتعلق به إيجاب الإقامة والمذهب خلافه ، والله أعلم .




الخدمات العلمية