الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 442 ] ( ولا يجب الجهاد على صبي ) ; لأن الصبا مظنة المرحمة ( ولا عبد ولا امرأة ) التقدم حق المولى والزوج ( ولا أعمى ولا مقعد ولا أقطع لعجزهم ، فإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع تخرج المرأة بغير إذن زوجها والعبد بغير إذن المولى ) لأنه صار فرض عين ، وملك اليمين ورق النكاح لا يظهر في حق فروض الأعيان كما في الصلاة والصوم ، بخلاف ما قبل النفير ; لأن بغيرهما مقنعا فلا ضرورة إلى [ ص: 443 ] إبطال حق المولى والزوج

التالي السابق


( قوله ولا يجب الجهاد على صبي إلخ ) الوجه الظاهر أن يقال لأنه غير مكلف .

وفي الصحيحين عن ابن عمر { عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني في المقاتلة } الحديث ( ولا عبد ولا امرأة لتقدم حق المولى والزوج ) بإذن الله الذي هو صاحب الحق على حقه .

ومعنى هذا الكلام أن حق السيد والزوج حق متعين بإذن الله تعالى على ذلك العبد وتلك المرأة ، فلو تعلق بهما الجهاد لزم إطلاق فعله لهما ، وإطلاقه يستلزم إطلاق ترك حق المولى والزوج ، فلو تعلق بهم لزمه إبطال حق جعله الله متعينا لحق لم يجعله متعينا عليه ، وهذا اللازم باطل فلا يتعلق بهم وهو المطلوب . وعلى هذا التقرير يكونون مخصوصين من العمومات لدليل مقارن وهو العقل ، بخلاف ما إذا صار فرض عين ; لأن حقوقهم لا تظهر في حق فروض الأعيان .

نعم لو أمر السيد والزوج العبد والمرأة بالقتال يجب أن يصير فرض كفاية ، ولا نقول صار فرض عين لوجوب طاعة المولى والزوج حتى إذا لم يقاتل في غير النفير العام يأثم ; لأن طاعتهما المفروضة عليهما في غير ما فيه المخاطرة بالروح ، وإنما يجب ذلك على المكلفين بخطاب الرب جل جلاله بذلك ، والفرض انتفاؤه عنهم قبل النفير العام ، وعن هذا حرم الخروج إلى الجهاد وأحد الأبوين كاره لأن طاعة كل منهما فرض عين والجهاد لم يتعين عليه كما قلنا مع أن في خصوصه أحاديث منها ما في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو { جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه ، فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم ، قال : ففيهما فجاهد } وقدمنا من صحيحه آنفا حديث ابن مسعود [ ص: 443 ] وقدم فيه بر الوالدين على الجهاد . وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص { جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان ، فقال : ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما } وفيه عن الخدري { أن رجلا هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن ، فقال : هل لك أحد باليمن ؟ قال : أبواي ، قال : أذنا لك ، قال : لا ، قال : فارجع فاستأذنهما ، فإن أذنا لك فجاهد ، وإلا فبرهما } وأما الأعمى والأقطع فقال تعالى { ليس على الأعمى حرج ، ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج } وقال تعالى { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله } والمقعد الأعرج ، قاله في ديوان الأدب .




الخدمات العلمية