الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4069 ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: ففي هذا الحديث: أن رسول الله -عليه السلام- سئل عن الطواف قبل الحلق، فقال: احلق ولا حرج، فاحتمل أن يكون ذلك إباحة منه للطواف قبل الحلق، وتوسعة منه في ذلك، فجعل للحاج أن يقدم ما شاء من هذين على صاحبه، وفيه أيضا: أن آخر جاءه فقال: إني ذبحت قبل [أن] أرمي، فقال: ارم ولا حرج، فذلك أيضا يحتمل ما ذكرنا في جوابه في السؤال الأول.

                                                [ ص: 139 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 139 ] ش: أي ففي حديث علي -رضي الله عنه- المذكور: أن رسول الله -عليه السلام-، بيانه أن هذا له احتمالان: أحدهما: أنه يحتمل أن يكون -عليه السلام- أباح ذلك توسعة وترفيها في حقه، فيكون للحاج أن يقدم ما شاء من الإفاضة والحلق، فإن شاء أفاض ثم حلق، وإن شاء حلق ثم أفاض، وكذلك التخيير بين الذبح والرمي.

                                                والآخر: يحتمل أن يكون قوله -عليه السلام-: "لا حرج" معناه: لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا؛ لأنكم فعلتموه على الجهل منكم به، لا على القصد منكم خلاف السنة وكانت السنة خلاف هذا، وقد دلت على هذين الاحتمالين أحاديث كثيرة، على كل واحد منهما أحاديث مصرحة في هذا الباب على ما تقف عليه إن شاء الله، فلما احتمل الكلام هذين الاحتمالين نظريا، فوجدنا الحكم على الاحتمال الثاني وهو أنه -عليه السلام- أسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم، لا أنه أباح لهم ذلك حتى إن لهم أن يفعلوا ذلك في العمد، والدليل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال: "سئل رسول الله -عليه السلام- وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي، قال: لا حرج، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي، قال: لا حرج، ثم قال: عباد الله، وضع الله -عز وجل- الحرج والضيق، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم".

                                                فدل ذلك أن الحرج الذي رفعه الله عنهم إنما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك، وذلك لأن السائلين عن ذلك كانوا ناسا أعرابا لا علم لهم بالمناسك، فأجابهم رسول الله -عليه السلام- بقوله: "لا حرج" يعني فيما فعلتم بالجهل، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد، ألا ترى إلى ما روي عن ابن عباس أنه قال: "من قدم شيئا من حجه أو أخره فليهرق لذلك دما" فثبت بذلك أن الذي رفع عنهم من الحرج كان لأجل جهلهم بأمور المناسك، وأنهم أمروا بعد ذلك بتعلم المناسك كما في حديث أبي سعيد، وأنه لا يباح بعد ذلك تقديم نسك يقتضي التأخير على نسك

                                                [ ص: 140 ] يقتضي التقديم، وأن من فعل ذلك فعليه دم، هذا خلاصة ما ذكره الطحاوي في هذا الباب، والله أعلم.




                                                الخدمات العلمية