الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4318 4319 4320 4321 ص: ثم قد روي عن أصحاب رسول الله -عليه السلام- النهي عنها:

                                                حدثنا ربيع الجيزي ، قال: ثنا سعيد بن عفير، قال: حدثنا يحيى بن أيوب ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال: "ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها هذه الأمة، ولولا نهي عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما زنى إلا شقي قال عطاء: : كأني أسمعها من ابن عباس : ( إلا شقي".

                                                حدثنا أبو بشر الرقي ، قال: ثنا شجاع بن الوليد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن طلحة بن مصرف ، عن خيثمة بن عبد الرحمن ، عن أبي ذر قال: " إنما كانت متعة النساء لنا خاصة". .

                                                حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال: ثنا سعيد ، قال: ثنا هشيم، قال: أنا عبد الملك ، عن عطاء ، عن جابر: " أنهم كانوا يتمتعون من النساء حتى نهاهم عمر ) ، -رضي الله عنه-".

                                                [ ص: 356 ] حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة ، عن أبي حمزة، قال: "سألت ابن عباس عن متعة النساء، فقال مولى له: إنما ذلك في الغزو والنساء قليل، قال ابن عباس: صدقت".

                                                التالي السابق


                                                ش: أي ثم قد روي عن الصحابة أيضا النهي عن المتعة، وأخرج في ذلك عن ابن عباس ، وأبي ذر ، وجابر .

                                                أما عن ابن عباس فأخرجه من وجهين:

                                                الأول: عن ربيع بن سليمان الجيزي ، عن سعيد بن عفير شيخ البخاري، وهو سعيد بن كثير بن عفير وقد ينسب إلى جده، عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن عبد الملك بن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس .

                                                والكل رجال الصحيح ما خلا ربيعا .

                                                وأخرجه أبو عمر: من حديث ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس، نحوه.

                                                الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق ، عن وهب بن جرير ، عن شعبة ، عن أبي جمرة -بالجيم والراء- اسمه نصر بن عمران الضبعي البصري، روى له الجماعة.

                                                وأخرجه البيهقي: من حديث عمرو بن مرزوق، أنا شعبة ، عن أبي جمرة، عن ابن عباس: "أنه سئل عن متعة النساء، فقال مولى له: إنما كان ذلك في الجهاد والنساء قليل، فقال ابن عباس: صدق".

                                                وأخرجه البخاري: نا محمد بن بشار، ثنا غندر، ثنا شعبة ، عن أبي جمرة، قال: "سمعت ابن عباس سئل عن متعة النساء، فرخص، فقال مولى له: إنما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلة -أو نحوه- فقال ابن عباس: نعم"، قلت: هذا من أفراد البخاري .

                                                [ ص: 357 ] وقال الترمذي: نا محمود بن غيلان، قال: نا سفيان بن عقبة أخو قبيصة بن عقبة، قال: ثنا سفيان الثوري ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس قال: "إنما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة، فيتزوج المرأة بقدر ما يرى أنه يقيم فتحفظ متاعه وتصلح له شأنه حتى نزلت هذه الآية: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين قال ابن عباس: "فكل فرج سوى هذين حرام".

                                                قال أبو عيسى: إنما رويت الرخصة عن ابن عباس ثم رجع عن قوله، حيث أخبر عن النبي -عليه السلام-.

                                                قال الحازمي: هذا إسناد صحيح لولا موسى بن عبيدة، قال: وأما ما يحكى عن ابن عباس فإنه كان يتأول في إباحته للمضطرين إليه بطول العزبة وقلة اليسار، ثم توقف عنه، فيوشك أن يكون سبب رجوعه عنه قول علي -رضي الله عنه- وإنكاره عليه.

                                                وقال أبو عمر: أصحاب عبد الله بن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرونها حلالا على مذهب ابن عباس وحرمها سائر الناس، وروى الليث بن سعد ، عن بكير بن الأشج ، عن عمار مولى الشريد: "سألت ابن عباس عن المتعة، أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله تعالى، قلت: هل عليها حيضة؟ قال: نعم حيضة، قلت: يتوارثان؟ قال: لا.

                                                وأما عن أبي ذر فأخرجه عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي ، عن شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، روى له الجماعة، عن ليث بن أبي سليم بن زنيم القرشي الكوفي أحد مشايخ أبي حنيفة، وعن يحيى: لا بأس به، روى له الجماعة، البخاري

                                                [ ص: 358 ] مستشهدا، ومسلم مقرونا بأبي إسحاق الشيباني ، عن طلحة بن مصرف بن عمرو الكوفي، روى له الجماعة، عن خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الكوفي، لأبيه ولجده صحبة، روى له الجماعة، عن أبي ذر جندب بن جنادة .

                                                وأخرجه البيهقي: من طريق آخر من حديث عباس الدوري، ثنا خنيس بن بكر بن خنيس، ثنا مالك بن مغول ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبي ذر، قال: "إنما أحلت لنا أصحاب رسول الله -عليه السلام- متعة النساء ثلاثة أيام ثم نهى عنها رسول الله -عليه السلام-".

                                                قلت: فيه انقطاع.

                                                وأخرج أيضا من حديث يحيى بن أبي زائدة ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن الأسود ، عن إبراهيم التيمي ، عن سليم المحاربي ، عن يزيد التيمي، عن أبي ذر قال: "إن كانت المتعة لخوفنا ولحربنا".

                                                وأما عن جابر بن عبد الله فأخرجه بإسناد صحيح رجاله رجال الصحيح ما خلا صالح بن عبد الرحمن ، وسعيد هو ابن منصور الخراساني شيخ مسلم وأبي داود ، وهشيم هو ابن بشير ، وعبد الملك هو ابن أبي سليمان العرزمي الكوفي، روى له الجماعة، البخاري مستشهدا، وعطاء هو ابن أبي رباح .

                                                فإن قيل: قد ثبت النهي عن النبي -عليه السلام- عن المتعة في حجة الوداع، فكيف كانوا يتمتعون بالنساء بعده -عليه السلام- حتى نهاهم عمر -رضي الله عنه-؟

                                                قلت: يمكن أن يكون النهي لم يبلغ الذين كانوا يتمتعون، فلما بلغ عمر -رضي الله عنه- أنهم كانوا يتمتعون نهاهم عن ذلك.

                                                وقد أخرج البيهقي في "سننه": من حديث همام ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن جابر قال: "قلت: إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وابن عباس يأمر بها،

                                                [ ص: 359 ] قال: على يدي جرى الحديث، تمتعنا مع رسول الله -عليه السلام- ومع أبي بكر -رضي الله عنه- فلما ولي عمر -رضي الله عنه- خطب الناس فقال: إن رسول الله -عليه السلام- هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن، وأنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله -عليه السلام-، وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما:

                                                إحداهما: متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوج امرأة إلى أجل إلا غيبته في الحجارة.

                                                والأخرى: متعة الحج، افصلوا حجكم عن عمرتكم؛ فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم".


                                                قال البيهقي: لا شك في كون المتعة على عهد رسول الله -عليه السلام-، لكنا وجدناه نهى عنها عام الفتح بعد الإذن فيه، ثم لم نجده أذن بعد، فكان نهي عمر -رضي الله عنه- عن نكاح المتعة موافقا لسنة رسول الله -عليه السلام- فأخذنا به، ولم نجده -عليه السلام- نهى عن متعة الحج في رواية تصح عنه، ووجدنا في قول عمر -رضي الله عنه- ما دل على أنه أحب أن يفصل بين الحج والعمرة ليكون أتم لهما، فحملنا نهيه عن متعة الحج على التنزيه لا على التحريم.

                                                وقد حدثنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني، أنا عبد الرحمن بن يحيى الزهري القاضي بمكة، ثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، ثنا أبو خالد الأموي، ثنا منصور بن دينار، ثنا عمر بن محمد ، عن سالم ، عن أبيه، عن عمر -رضي الله عنه-: "أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال [رجال] ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله -عليه السلام- عنها؟! [ألا وإني] لا أوتى بأحد نكحها إلا رجمته".

                                                فإن صح هذا فهو يبين أن عمر -رضي الله عنه- إنما نهى عنها لنهي النبي -عليه السلام -.




                                                الخدمات العلمية