الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4436 4437 4438 4439 ص: كما قد كان أمر في ترك تأبير النخل، فإنه حدثنا يزيد بن سنان ، قال: ثنا أبو عامر ، قال: ثنا إسرائيل ، قال: ثنا سماك ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، قال: " مررت مع النبي -عليه السلام- في نخل المدينة، ، فإذا ناس في رءوس النخل يلقحون النخل، فقال النبي -عليه السلام-: ما يصنع هؤلاء؟ فقيل: يأخذون الذكر ويجعلونه في الأنثى، فقال: ما أظن ذلك يغني شيئا، فبلغهم فتركوه ونزعوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئا، فبلغ ذلك النبي -عليه السلام- فقال: إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئا فلتصنعوه؛ فإنما أنا بشر مثلكم، وإنما هو ظن ظننته، والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله".

                                                حدثنا يزيد ، قال: ثنا أحمد بن عبدة ، قال: أنا حفص بن جميع ، قال: ثنا سماك ، أنه سمع موسى بن طلحة ، يحدث عن أبيه، عن النبي -عليه السلام- نحوه.

                                                [ ص: 475 ] حدثنا يزيد ، قال: ثنا أبو الوليد ويحيى بن حماد ، قالا: ثنا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، عن النبي -عليه السلام- ... نحوه.

                                                حدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا أبو عوانة ، عن سماك ... ، فذكر بإسناده مثله.

                                                فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر البشر في ظنونهم، وأن الذي يقوله مما لا يكون على خلاف ما يقوله، هو ما يقوله عن الله -عز وجل- فلما كان نهيه عن الغيلة ، لما كان خاف منها على أولاد الحوامل، ثم أباحها لما علم أنها لا تضرهم؛ دل ذلك على أن ما كان نهى عنه لم يكن من قبل الله -عز وجل- ولو كان من قبل الله . -عز وجل- لكان يقف به على حقيقة ذلك، ولكنه من قبل ظنه الذي وقف بعده على أن ما في الحقيقة مما نهى عما نهى عنه من ذلك من أجله بخلاف ما وقع في قلبه من ذلك.

                                                فثبت بما ذكرنا أن وطء الرجل امرأته أو أمته حاملا حلال لم يحرم عليه قط.

                                                وهذا قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد ، -رحمهم الله-.

                                                التالي السابق


                                                ش: مثل نهيه -عليه السلام- عن الغيلة بنهيه عن تأبير النخل في كون كل منهما عن ظن ظنه ولم يكن ذلك من طريق الوحي، إذ الذي يقوله من طريق الوحي لا يكون على خلاف ما يقوله، وقد صرح في حديث التأبير بقوله: إنما هو ظن ظننته، وصرح بأن الظن يخطئ ويصيب، فدل ذلك أن ما قاله من جهة الظن فهو فيه كسائر الناس في ظنونهم، وأما الذي يقوله ولا يخالف فيه فهو الذي يقوله عن الله تعالى؛ لأن ما كان عن الله لا خلاف فيه ولا يقع ما هو خلافه، وبهذا يحصل الجواب عما يقال: كيف يجوز على النبي -عليه السلام- أن يقول شيئا ويقع خلافه؟ والتحقيق فيه: أن النبي -عليه السلام- له حالتان:

                                                حالة مطلق البشرية؛ فهو وسائر الناس فيه سواء، والدليل عليه قوله: "أنا بشر مثلكم"؛ لأنه من جنسهم وليس من جنس غيرهم، بالنظر إلى هذه الحالة ربما يظن أمرا وقد كان الواقع خلافه؛ لأن الظن يخطئ ويصيب كما في سائر الخلق.

                                                [ ص: 476 ] والحالة الأخرى -التي هي زائدة على تلك الحالة-: وهي كونه نبيا رسولا من عند الله معصوما في قوله وفعله، بحيث إنه إذا قال قولا أو فعل فعلا فهو الحق عند الله تعالى ولا يقع خلافه أصلا؛ لأنه من الله تعالى وعليه قوله تعالى: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى غير أن الوحي قسمان:

                                                أحدهما: متلو، وهو القرآن.

                                                والآخر: غير متلو، وهو أقواله وأفعاله التي في أبواب التشريع.

                                                ثم وجه التمثيل المذكور هو صدور ذلك القول عن ظن ظنه، ألا ترى أنه لما قال في تأبير النخل: ما أظن ذلك يغني شيئا، وبلغهم ذلك فتركوه، فلم تحمل نخلهم تلك السنة شيئا، قال: إنما هو ظن ظننته والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله، فلن أكذب على الله. ولو كان ذلك القول من الله لحملت نخلهم تلك السنة بدون التأبير، فكذلك نهيه عن الاغتيال إنما كان ظنا منه لأجل خوفه على أولاد الحوامل، فلما علم من الله تعالى أن ذلك لا يضرهم، قال: لو ضر أحدا لضر فارس والروم، فدل ذلك أن ما كان من نهيه صار منسوخا، وثبت أن وطء الرجل امرأته أو أمته حاملا حلال لا يحرم عليه قط. والله أعلم.

                                                ثم إنه أخرج حديث طلحة من أربع طرق:

                                                الأول: إسناده صحيح، عن يزيد بن سنان القزاز ، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي ، عن إسرائيل بن يونس ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه: طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي -أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يدي أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وأحد الستة أصحاب الشورى الذين توفي رسول الله -عليه السلام- وهو عنهم راض.

                                                [ ص: 477 ] وأخرجه أحمد في "مسنده": ثنا عبد الرزاق، أنا إسرائيل ، عن سماك، أنه سمع موسى بن طلحة يحدث، عن أبيه قال: "مررت مع رسول الله -عليه السلام- في نخل المدينة، فرأى أقواما في رءوس النخل يلقحون، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى يلقحون به، فقال: ما أظن ذلك يغني شيئا، فبلغهم، فتركوه ونزلوا عنها، فلم تحمل تلك السنة شيئا، فبلغ رسول الله -عليه السلام- فقال: إنما هو ظن ظننته، إن كان يغني شيئا فاصنعوا، فإنما أنا بشر مثلكم والظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم: قال الله؛ فلن أكذب على الله -عز وجل-".

                                                وأخرجه ابن ماجه أيضا: عن علي بن محمد ، عن عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه نحوه.

                                                الثاني: عن يزيد بن سنان أيضا، عن أحمد بن عبدة بن موسى الضبي شيخ الجماعة غير البخاري ، عن حفص بن جميع الكوفي ضعفه أبو حاتم الرازي .

                                                وقال أبو زرعة: ليس بالقوي. وقال ابن حبان: كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وهو يروي عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه، عن، النبي -عليه السلام.

                                                وأخرجه البزار في "مسنده": ثنا أحمد بن عبدة، نا حفص بن جميع ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه، عن النبي -عليه السلام- نحوه.

                                                الثالث: عن يزيد أيضا، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ، ويحيى بن حماد بن أبي زياد السيباني البصري ختن أبي عوانة، كلاهما عن أبي عوانة الوضاح اليشكري ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه، عن النبي -عليه السلام-.

                                                [ ص: 478 ] وأخرجه البزار أيضا في "مسنده": نا أبو كامل الجحدري، نا أبو عوانة ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه قال: "مررت مع رسول الله -عليه السلام- في نخل، فرأى قوما في رءوس النخل يلقحون، فقال: ما يصنعون -أو ما يصنع هؤلاء- قال: يأخذون من الذكر ويجعلون في الأنثى، فقال: ما أظن هذا يغني شيئا، فبلغهم ذلك فتركوه، فصار شيصا، فقال: أنتم أعلم بما يصلحكم في دنياكم، وإني قلت لكم ظنا ظننته، فما قلت لكم: قال الله -عز وجل- فلن أكذب على الله تبارك وتعالى".

                                                وقال البزار: وقد روي هذا الحديث عن سماك بن حرب وأسباط بن نصر وغير واحد، ولا نعلم يروى عن طلحة إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد ورواه عن النبي -عليه السلام- جماعة منهم: أنس وعائشة ورافع بن خديج وجابر بن عبد الله ويسير بن عمرو -رضي الله عنهم-.

                                                الرابع: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن أبي داود سليمان بن داود الطيالسي ، عن أبي عوانة الوضاح ، عن سماك بن حرب ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه، عن النبي -عليه السلام- نحوه.

                                                وأخرجه الطيالسي في "مسنده" .

                                                قوله: "يلقحون" من ألقحت النخل إذا وضعت طلع الذكر في طلع الأنثى أول ما ينشق.

                                                "والتأبير" مصدر من قولك: أبرت النخل -بالتشديد وأبرتها- بالتخفيف -أي لقحتها، والنخلة مؤبرة ومأبورة أي ملقحة.

                                                و"الشيص" بكسر الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره صاد مهملة، وهو: فاسد التمر ورديه الذي لم يتم ويبس قبل تمام نضجه ولم ينعقد نواه.




                                                الخدمات العلمية