الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4430 4431 4432 4433 4434 4435 ص: فأردنا أن نعلم أيهما الناسخ للآخر، فنظرنا في ذلك، فوجدنا محمد بن خزيمة قد حدثنا، قال: ثنا أبو مسهر، قال: ثنا مالك بن أنس (ح).

                                                وحدثنا أبو بكرة ، قال: ثنا إبراهيم بن أبي الوزير ، قال: ثنا مالك بن أنس ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، حتى ذكرت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم".

                                                حدثني ابن أبي داود ، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم ، قال: أخبرني يحيى بن أيوب ، قال: حدثني أبو الأسود، محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، قال: ثنا عروة بن الزبير ، عن عائشة زوج النبي -عليه السلام-، عن جدامة بنت وهب الأسدية ، عن رسول الله -عليه السلام- "أنه هم أن ينهى عن الغيال، قال: فنظرت فإذا فارس والروم يغيلون فلا يضر ذلك أولادهم".

                                                [ ص: 470 ] حدثنا إبراهيم بن محمد بن يونس ، وصالح بن عبد الرحمن ، قالا: ثنا المقرئ -يعني أبا عبد الرحمن- قال: ثنا سعيد بن أبي أيوب ، عن أبي الأسود ، عن عروة ، عن عائشة، ، أنها قالت: "حدثتني جدامة ... " ، فذكر نحوه.

                                                حدثنا ربيع الجيزي ، قال: ثنا أبو زرعة ، قال: أنا حيوة ، عن أبي الأسود ، أنه سمع عروة يحدث، عن عائشة، عن جدامة ، عن رسول الله -عليه السلام- مثله.

                                                ففي هذا الحديث أن رسول الله -عليه السلام- هم بالنهي عن ذلك، حتى بلغه أن فارس والروم يفعلونه فلا يضر أولادهم، . ففي ذلك إباحة ما قد حظر الحديث الأول، فاحتمل أن يكون أحد الأمرين ناسخا للآخر، فنظرنا في ذلك، فإذا روح بن الفرج قد حدثنا، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، قال: ثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن النبي -عليه السلام- كان ينهى عن الاغتيال، ثم قال: لو ضر أحدا لضر فارس والروم". .

                                                فثبت بهذا الحديث الإباحة بعد النهي، فهو أولى من غيره، ودل نهي رسول الله -عليه السلام- عن ذلك من جهة خوف الضرر من أجله، ثم أباحه لما تحقق عنده أنه لا يضر؛ أنه لم يكن منع منه في وقت ما منع منه من طريق ما يحل ويحرم، ولكنه على طريق ما وقع في قلبه منه شيء، فأمر به على الشفقة منه على أمته لا غير ذلك.

                                                التالي السابق


                                                ش: أشار بهذا إلى بيان دفع المعارضة بين الحديثين المذكورين وهما حديث أسماء بنت يزيد، وحديث أسامة بن زيد، أي: فأردنا أن نعلم أي الحديثين ناسخ للآخر؛ فحديث أسماء ناسخ أم حديث أسامة؟ وإنما عين صورة النسخ من بين وجوه ما تدفع به المعارضة؛ لأن فيهما التحريم والإباحة، ودفع أحدهما بالآخر من باب النسخ على ما عرف في موضعه؛ بيان ذلك: أن حديث أسماء فيه حظر لأجل النهي فيه، وحديث أسامة فيه الإباحة، فوقع التعارض بينهما، فاحتمل أن يكون [أي] منهما ناسخا للآخر، ولم يتحقق

                                                [ ص: 471 ] أيهما الناسخ لعدم التاريخ، ووجدنا حديث جدامة بنت وهب أيضا يدل على إباحة ما حظره حديث أسماء بنت يزيد، ولكن الاحتمال المذكور لم يدفع بعد، فنظرنا في هذا الباب فوجدنا حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- يدل على أن الإباحة بعد النهي؛ لأنه صريح في حديثه أن النبي -عليه السلام- كان ينهى عن الاغتيال ثم قال: لو ضر أحدا لضر فارس والروم، فتحقق من ذلك أن الإباحة بعد النهي، فثبت نسخ ما كان من الحظر في حديث أسماء بنت يزيد، وهو معنى قوله: "فثبت بهذا الحديث" أي حديث ابن عباس "الإباحة بعد النهي فهو أولى، من غيره" أي فحديث ابن عباس أولى بالعمل من غيره؛ لأن فيه صريح الإباحة بعد الحظر بدون الاحتمال المذكور.

                                                وأشار الطحاوي إلى أن حديث ابن عباس دل على شيء آخر، وهو أن نهيه -عليه السلام- في حديث أسماء بنت يزيد لم يكن من طريق الوحي ولا من طريق التشريع لأمته، وهو معنى قوله: "ولا من طريق ما يحل ويحرم، وإنما كان على طريق ما وقع في قلبه من ذلك شيء فأمر به" -أي بترك وطء الحبالى على سبيل الشفقة منه على أمته لا غير ذلك، كما قد كان أمر بترك تأبير النحل فإن ذلك أيضا لم يكن منه على طريق الوحي، وإنما كان ذلك على طريق الظن، ولهذا قال: "إنما هو ظن ظننته" على ما يجيء بيانه إن شاء الله.

                                                قوله: "أنه لا يضر". فاعل لقوله: لما تحقق.

                                                وقوله: "أنه لم يكن" متعلق بقوله: "ودل نهي رسول الله -عليه السلام-" والتقدير: ودل نهي رسول الله -عليه السلام- بأنه لم يكن منع منه، أي بأن رسول الله -عليه السلام- لم يكن منع من وطء الحبالى في وقت ما منع منه أي في وقت منعه إياه.

                                                وكلمة "ما" مصدرية.

                                                وقوله: "من طريق الوحي". متعلق بقوله: "لم يكن منع" فافهم.

                                                [ ص: 472 ] ثم إنه أخرج حديث جدامة بنت وهب الأسدية من خمس طرق صحاح:

                                                الأول: عن محمد بن خزيمة ، عن أبي مسهر -بضم الميم- عبد الأعلى بن مسهر الغساني الدمشقي ، عن مالك بن أنس ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب: "أن رسول الله -عليه السلام- .... ".

                                                وأخرجه مالك في "موطئه": عن محمد بن عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه.

                                                وقد استوفينا ترجمة جدامة بنت وهب في باب: اللباس والطيب متى يحلان للمحرم.

                                                الثاني: عن أبي بكرة بكار القاضي ، عن إبراهيم بن أبي الوزير، وهو إبراهيم بن عمر بن مطرف الهاشمي المكي أبو عمرو ، عن مالك بن أنس ... إلى آخره.

                                                وأخرجه مسلم: ثنا خلف بن هشام، قال: نا مالك بن أنس .

                                                ونا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ... إلى آخره.

                                                الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن سعيد بن أبي مريم المصري -شيخ البخاري- عن يحيى بن أيوب الغافقي المصري ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل .

                                                وأخرجه مسلم: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: نا يحيى بن إسحاق، قال: أنا يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل القرشي ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب الأسدية، أنها قالت: سمعت رسول الله -عليه السلام- ... فذكر مثل حديث سعيد بن أبي أيوب الآتي ذكره الآن.

                                                [ ص: 473 ] الرابع: عن إبراهيم بن محمد بن يونس ، وصالح بن عبد الرحمن، كلاهما عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ شيخ البخاري ومسلم ، عن سعيد بن أبي أيوب مقلاص الخزاعي المصري ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة.

                                                وأخرجه مسلم: ثنا عبيد الله بن سعيد ومحمد بن أبي عمرة، قالا: نا المقرئ، قال: نا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة بنت وهب أخت عكاشة قالت: "حضرت رسول الله -عليه السلام- في أناس وهو يقول: لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم ذلك شيئا".

                                                الحديث الخامس: عن ربيع بن سليمان الجيزي ، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد الحجري المصري ، عن حيوة بن شريح بن صفوان التجيبي ، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عروة ، عن عائشة، عن جدامة.

                                                وأخرجه البيهقي: من حديث أبي الأسود ، عن عروة ... إلى آخره نحوه.

                                                قوله: "عن الغيلة" بكسر الغين المعجمة وسكون الياء. قال أبو عمر: اختلف العلماء وأهل الثقة في معنى الغيلة؛ فقال منهم قائلون كما قال مالك: الغيلة أن يمس الرجل امرأته وهي مرضع حملت أو لم تحمل.

                                                وقال الأخفش: الغيلة والغيل سواء، وهو أن تلد المرأة فيغشاها زوجها وهي ترضع فتحمل، فإذا حملت فسد اللبن على الصبي، ويفسد به جسده وتضعف قوته، حتى ربما كان ذلك في عقله.

                                                وقال بعض أهل العلم وأهل اللغة: المغيال أن ترضع المرأة ولدها وهي حامل.

                                                وقال الأصمعي: الغيل لبن الحامل.

                                                [ ص: 474 ] وفي "المطالع": ونهيه عن الغيلة بفتح الغين وكسرها، وقال بعضهم: لا يصح الفتح إلا مع حذف الهاء.

                                                وحكى أبو مروان وغيره من أهل اللغة: الغيله بالهاء والفتح والكسر معا هذا في الرضاع، وأما في القتل فبالكسر لا غير.

                                                وقال بعضهم: هو بالفتح من الرضاع المرة الواحدة، وفي بعض روايات مسلم: "عن الغيال" وكله وطء المرضع، يقال: أغال الرجل ولده. والاسم: الغيل والاغتيال والإغالة، وقوله: "ما سقي بالغيل ففيه العشر". الغيل بالفتح الماء الجاري على وجه الأرض من أو غيره، وكذلك الغال. قاله أبو عبيد. والغيلة أن يقتل في خفية ومخادعة وحيلة.

                                                وقوله: "ولا غائلة" أي لا خديعة ولا حيلة.

                                                وأخرج حديث ابن عباس بإسناد صحيح على شرط الشيخين: عن روح بن الفرج القطان المصري ، عن يحيى بن عبد الله بن بكير القرشي المخزومي المصري شيخ البخاري ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح المكي ، عن ابن عباس -رضي الله عنه-.




                                                الخدمات العلمية