الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4176 4177 4178 ص: ورووا [ذلك] أيضا عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-.

                                                حدثنا يونس ، قال: أنا ابن وهب ، أن مالكا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة بنت عبد الرحمن، ، أنها أخبرته: "أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة -رضي الله عنها- أن عبد الله بن عباس قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه، وقد بعثت بهدي فاكتبي إلي بأمرك أو مري صاحب الهدي، فقالت عائشة: : ليس كما قال ابن عباس: ، أنا فتلت قلائد هدي رسول الله -عليه السلام- بيدي، ثم قلدها رسول الله -عليه السلام- بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله -عليه السلام- شيء أحله الله -عز وجل- له حتى نحر الهدي".

                                                حدثنا صالح بن عبد الرحمن ، قال: ثنا سعيد ، قال: ثنا هشيم ، قال: أنا عبيد الله ، عن نافع قال: "كان ابن عمر ، إذا بعث بهديه وهو معتمر أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه".

                                                [ ص: 292 ] حدثنا محمد بن خزيمة ، قال: ثنا حجاج ، قال: ثنا حماد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر: " أنه كان إذا بعث بهديه أمسك عن النساء". .

                                                التالي السابق


                                                ش: أي روى هؤلاء القوم أيضا فيما ذهبوا إليه عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم-، وأما الذي روي عن ابن عباس فأخرجه بإسناد رجاله كلهم رجال الصحيح.

                                                وأخرجه البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، ثنا مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ... إلى آخره نحوه.

                                                وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا.

                                                وزياد بن أبي سفيان، ويقال له: زياد بن أبيه ، وزياد بن سمية وهي أمه.

                                                قال ابن الأثير: قيل هو زياد بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، استلحقه معاوية بن أبي سفيان، وكان يقال له قبل أن يستلحق: زياد بن عبيد النخعي، وأمه سمية جارية الحارث بن كلدة، ولد عام الهجرة، وقيل: ولد قبل الهجرة، وقيل: ولد يوم بدر، وليست له صحبة ولا رواية.

                                                وقال ابن عساكر: لم ير النبي -عليه السلام-، وأسلم في عهد أبي بكر -رضي الله عنه-، وولى العراق لمعاوية، وكان من دهاة العرب، والخطباء الفصحاء، ومات في سنة ثلاث وخمسين، ودفن بالبونة خارج الكوفة.

                                                قوله: "ثم بعث بها مع أبي" أي ثم بعث رسول الله -عليه السلام- بهديه، وإنما أثبت الضمير باعتبار البدن، وأرادت عائشة -رضي الله عنها- أنه -عليه السلام- بعث ببدنه مع أبي بكر [ ص: 293 ] الصديق، وذلك في سنة تسع، وفي "شرح الموطأ" للإشبيلي: يحتمل أن تريد أنه من آخر هدي بعث به؛ لأنه -عليه السلام- حج في العام الذي يليه حجة الوداع، لئلا يظن ظان أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، فذهبت إلى رفع الأشكال.

                                                وفيه من الفوائد: أن أصحاب النبي -عليه السلام- كانوا يختلفون في مسائل الفقه وعلوم الديانة فلا يعيب بعضهم بعضا بأكثر من رد قوله ومخالفيه إلى ما عنده من السنة في ذلك، وهكذا يجب على كل مسلم.

                                                وفيه ما كان عليه الأمراء من الامتثال بأمر الدين والكتاب فيه إلى البلدان.

                                                وفيه عمل أزواج النبي -عليه السلام- بأيديهن وامتهانهن أنفسهن، وكذلك كان رسول الله -عليه السلام- يمتهن نفسه في عمل بيته، فربما خاط ثوبه وخصف نعله، وقد قلد هديه المذكور في هذا الباب بيده الكريمة.

                                                وفيه أن عبد الله بن عباس كان يرى أن من بعث هديه إلى الكعبة لزمه إذا قلده أن يحرم ويجتنب ما يجتنبه الحاج حتى ينحر هديه، وقد تابعه على ذلك القوم الذين ذكرناهم.

                                                وفيه ما ذكرته عائشة من أن تقليد الهدي لا يوجب على صاحبه الإحرام، وهذا هو المعنى الذي ذهب إليه أهل المقالة الثانية.

                                                وفيه ما يرد الحديث الذي رواه شعبة: عن مالك ، عن عمر بن مسلم بن أكيمة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أم سلمة -رضي الله عنها-: "أن رسول الله -عليه السلام- قال إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من أظفاره شيئا".

                                                ففي هذا الحديث أنه لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعره ولا يقص ظفره، وفي حديث عائشة -رضي الله عنها- أنه -عليه السلام- لم يجتنب شيئا [مما] يجتنبه

                                                [ ص: 294 ] المحرم حتى قلد هديه، وبعث به وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه، ومما يؤيد وهنه وضعفه أن مالكا روى عن عمارة بن عبد الله، عن سعيد بن المسيب قال: "لا بأس بالإطلاء بالنورة في عشر ذي الحجة". فترك سعيد [لاستعماله] هذا الحديث وهو راويه دليل على أنه عنده غير ثابت [أو] منسوخ، وقد أجمع العلماء على أن الجماع مباح في أيام العشر لمن أراد أن يضحي، فما دونه أحرى أن يكون مباحا، ومذهب سائر الفقهاء بالمدينة والكوفة أنه لا بأس بحلق الرأس وتقليم الأظفار وقص الشارب في عشر ذي الحجة، وقال الليث بن سعد وذكر له حديث أم سلمة، فقال: قد روي هذا الحديث والناس على خلافه، قال الأثرم: وبحديث أم سلمة، قال أحمد بن حنبل -رحمه الله-.

                                                وأما حديث ابن عمر فأخرجه من طريقين صحيحين:

                                                الأول: عن صالح ، عن سعيد بن منصور ، عن هشيم بن بشير ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا ابن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر قال: "من قلد فقد أحرم".

                                                الثاني: عن ابن خزيمة ، عن حجاج بن منهال شيخ البخاري ، عن حماد بن سلمة ، عن أيوب السختياني ... إلى آخره.

                                                وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه": نا ابن علية ، عن أيوب ، عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي يمسك [عما] يمسك عنه المحرم غير أنه لا يلبي".




                                                الخدمات العلمية