الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                4157 ص: واحتجنا إلى النظر في الأخبار هل فيها ما يدفع دخول الحرم بغير إحرام؟ وهل فيها ما ينبئ عن معنى في هذين الحديثين المتقدمين يجب بذلك المعنى أن ذلك الدخول الذي كان من النبي -عليه السلام- بغير إحرام خاص له.

                                                فاعتبرنا في ذلك، فإذا ابن أبي داود قد حدثنا، قال: ثنا عمرو بن عون ، قال: ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله -عليه السلام-: " إن الله -عز وجل- حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ووضعها بين هذين الأخشبين، ، لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا يرفع لقطتها إلا منشد، . فقال العباس: إلا الإذخر، ؛ فإنه لا غنى لأهل مكة عنه لبيوتهم وقبورهم، فقال رسول الله -عليه السلام- إلا الإذخر". .

                                                [ ص: 263 ]

                                                التالي السابق


                                                [ ص: 263 ] ش: لما استدل أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من جواز دخول مكة بغير إحرام بحديثي جابر وأنس -رضي الله عنهما- أراد أن يبين وجه حديثهما، وأورد أحاديث عن ابن عباس وغيره تدل على أن دخوله -عليه السلام- مكة كان وهي حلال ساعتئذ؛ فلذلك دخلها غير محرم، وأن ذلك كان خاصا للنبي -عليه السلام- ثم عادت حراما إلى يوم القيامة، فلا يجوز دخولها لأحد بغير إحرام.

                                                وأخرج حديث ابن عباس عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي ، عن عمرو بن عون بن أوس الواسطي البزاز شيخ البخاري في كتاب الصلاة، قال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة حجة، عن أبي يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة ، عن يزيد بن أبي زياد القرشي الكوفي فيه مقال، فعن أحمد: حديثه ليس بذاك. وعن يحيى: لا يحتج بحديثه، وعنه ضعيف الحديث. وقال العجلي: جائز الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. روى له مسلم مقرونا بغيره واحتج به الأربعة. عن مجاهد بن جبر عن ابن عباس .

                                                وأخرجه البزار في "مسنده": نا يوسف بن موسى، نا جرير ، عن يزيد بن أبي زياد ، عن مجاهد ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -عليه السلام-: "إن مكة حرام حرمها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر، ولم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ثم عادت، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولا يخاف صيدها ولا ترفع لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله فإنه لا غنى بأهل مكة عنه، قال: إلا الإذخر".

                                                قال البزار: وهذا الحديث قد روي عن ابن عباس من غير وجه وعن غير ابن عباس بألفاظ مختلفة ومعانيها قريبة، وفي هذا الحديث ألفاظ ليست في حديث غيره، فذكرناه من أجل ذلك، ويزيد بن أبي زياد قد ذكرناه في غير هذا الحديث، فإنه ليس بالقوي ولا نعلم أحدا ترك حديثه من المحدثين لا شعبة ولا الثوري ولا أحد من أهل العلم، وإنما كان يؤتى لأنه كان في حفظه سوء.

                                                [ ص: 264 ] قلت: بهذا حصل الجواب عما قيل: إن الطحاوي أخرج حديث ابن عباس بإسناد فيه كلام؛ لأنه قصد بذلك ما قصده البزار، على أن أهل العلم الكبار ما تركوا حديث يزيد بن أبي زياد على ما قاله البزار وأبو داود -رحمهما الله-.

                                                وأخرجه البخاري مختصرا في كتاب الحج: ثنا علي بن عبد الله، نا جرير بن عبد الحميد ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال: قال رسول الله -عليه السلام- يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها".

                                                وأخرجه في باب غزوة الفتح: نا إسحاق، نا أبو عاصم ، عن ابن جريج، قال: أخبرني حسن بن مسلم ، عن مجاهد: "أن رسول الله -عليه السلام- قام يوم الفتح فقال: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحلل لي قط إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شوكها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، فقال العباس بن عبد المطلب: إلا الإذخر يا رسول الله، فإنه لا بد منه للقين والبيوت، فسكت ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال".

                                                وعن ابن جريج، أخبرني عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس بمثل هذا أو نحو هذا.

                                                وأخرجه مسلم: نا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: أنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله -عليه السلام- يوم الفتح فتح مكة: "لا هجرة ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا، وقال يوم

                                                [ ص: 265 ] الفتح: إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات [والأرض] فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط إلا من عرفها ولا يختلى خلاها، فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر".


                                                قوله: "حرم مكة" أي جعلها حراما، وقد فسر ذلك بقوله: "لم تحل لأحد قبلي ... " إلى آخره.

                                                قوله: "بين هذين الأخشبين" وأراد بهما الجبلين المطيفين بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهه على قعيقعان، والأخشب كل جبل خشن غليظ، وفي الحديث: "لا تزول مكة حتى يزول أخشباها".

                                                قوله: "إلا ساعة في نهار" لم يرد بها الساعة من الاثنتي عشرة ساعة، والمراد بها القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم يكن يوما تاما، ودليله: "وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس".

                                                قوله: "لا يختلى خلاها" أي لا يقطع كلاؤها، وقال ابن مالك في كتابه "تحفة المودود": والخلا هو الرطب من الكلأ، الواحدة خلاة، ولامه ياء، لقولهم خليت البقل قطعته وفي "المخصص" تقول: خليت الخلا خليا: جززته، في "المحكم" وقيل: الخلا: كل بقلة قلعتها، وقد يجمع الخلا على أخلاء، حكاه أبو حنيفة، وأخلت الأرض: كثر خلاها واختلاه: جزه، وقال اللحياني: نزعه وفي كتاب "النبات" للدينوري: الخلا: العشب ما دام رطبا، فإذا يبس فهو حشيش، وقال القاضي: ومعنى لا يختلى خلاها: لا يحصد كلاؤها، والخلا مقصور: الكلاء الرطب، فإذا يبس فهو حشيش وهشيم، وفي "المطالع" لا يختلى خلاها مقصور، ومده بعض الرواة وهو خطأ، وهو العشب الرطب، والاختلاء القطع، فعل مشتق من الخلا، والمخلى مقصورة حديدة يختلى بها الخلا، والمخلاة وعاء يختلى فيه للدابة،

                                                [ ص: 266 ] ثم يسمى كل ما يعتلف فيه مما يعلق في رأسها: مخلاة والخلاء بالمد الموضع الخالي، وأيضا مصدر من خلا يخلو، وقيل: القولان في قول عائشة -رضي الله عنها- " [حبب] إليه الخلاء" أي الموضع الخالي، وقيل: أن يخلو.

                                                قوله: "لا يعضد شجرها" أي لا يقطع، يقال: عضد واستعضد بمعنى، كما يقال: علا واستعلى، قال القاضي: وقع في الرواية الأخرى: "شجراؤها" وهو الشجر، وقال الطبري: معنى لا يعضد: لا يفسد ويقطع، وأصله من عضد الرجل الرجل: أصاب عضده بسوء، وفي "الموعب" عضدت الشجر أعضده عضدا مثال: ضرب، إذا قطعته، والعضد يقال لكل ما تكسر من الشجر أو قطع وفي "المحكم" الشجر معضود وعضيد.

                                                قوله: "ولا يرفع لقطتها إلا منشد" أي معرف، وأما الطالب فيقال له ناشد، يقال: نشدت الضالة إذا طلبتها، فإذا عرفتها قلت: أنشدتها، وأصل الإنشاد رفع الصوت، ومنه إنشاد الشعر، وفي رواية البزار وغيره: "ولا يرفع لقطتها إلا لمنشد" أي لأجل منشد أي معرف يعرفها حتى يجيء صاحبها.

                                                قوله: "إلا الإذخر" بكسر الهمزة والخاء المعجمة وبسكون الذال المعجمة، وهو نبت معلوم، وله أصل مندفن وقضبان دقاق ذفر الريح، وهو مثل الأسل أسل الكولان إلا أنه أعرض وأصغر كعوبا، وله ثمرة كأنها مكاميع القصب إلا أنها أرق وأصغر، وقال أبو زياد: الإذخر يشبه في نباته الغرز، والغرز نباته نبات الأسل الذي يعمل منه الحصر، والإذخر أدق منه وله كعوب كثيرة وهو يطحن فيدخل في الطيب، قال أبو نصر: هو من الذكور، وإنما الذكور من البقل، وليس الإذخر من البقل، وله أرومة فينبت فيها فهو بالحلبة أشبه، قال أبو عمر: هو من الحلبة، وقلما

                                                [ ص: 267 ] ينبت الإذخر منفردا، وهو ينبت في السهول والحزون، ويقال: أعذق الإذخر إذا خرج عذقه وكذلك الكبس كأنه مأخوذ من الكباسة وهي العذق وأحجب إذا نبت في نواحيه وإذا حف الإذخر ابيض، وفي "شرح ألفاظ المنصوري": الإذخر خشب يجلب من الحجاز وبالمغرب صنف منه، قيل: هذا أصح ما قيل في الإذخر ويدل عليه قول ابن عباس -رضي الله عنه-: "لبيوتهم وقبورهم" فإن البيوت لا تسقف إلا بالخشب، ولا يجعل على اللحود إلا الخشب ولا يمكن أن تسقف البيوت أو يجعل على اللحود حشيش فإنه غير متماسك لا رطبا ولا يابسا.

                                                قلت: المراد به أنه يسد به الفرج التي تتخلل من لبنات القبر لا أنه يسوى على القبر موضع اللبنات، وكذلك تسد به الفرج التي بين جذوع السقف ولا يسقف به وكذلك الحشيش، فافهم.

                                                ويستفاد منه أحكام:

                                                الأول: فيه دليل على أن مكة حرام فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإحرام، وأن دخول النبي -عليه السلام- حلالا كان في الوقت الذي أحلت له مكة.

                                                الثاني: فيه أنه لا يجوز قطع حشيش الحرم مما ينبت بنفسه وعلى هذا الإجماع، فأما الذي يزرعه الناس نحو البقول والخضراوات والقصيل؛ فإن هذا يجوز قطعه واختلاؤه، واختلف في الرعي فيما أنبته الله من خلاها فمنع ذلك أبو حنيفة ومحمد، وأجازه أبو يوسف والشافعي ومالك وأحمد .

                                                الثالث: فيه جواز قطع إذخر الحرم لكونه مستثنى.

                                                الرابع: فيه أنه لا يجوز قطع شجر الحرم، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم.

                                                وقال في الإمام: اختلف الناس في قطع شجر الحرم هل فيه جزاء أم لا، فعند مالك: لا جزاء فيه، وعند أبي حنيفة والشافعي: فيه الجزاء.

                                                [ ص: 268 ] قلت: هذا فيما لم يغرسه الآدمي من الشجر، وأما ما غرسه الآدمي فلا شيء عليه فيه، وحكى الخطابي أن مذهب الشافعي منع قطع ما غرسه الآدمي من شجر البوادي ونماه، وأنه وغيره مما أنبته الله سواء، واختلف قوله في جزاء الشجر على اختلاف مالك وأبي حنيفة، وعند الشافعي في الدوحة بقرة وما دونها شاة وعند أبي حنيفة يؤخذ من قيمة ما قطع فيشترى به هدي، فإن لم يبلغ ثمنه تصدق به بنصف صاع لكل مسكين، وفي بعض شروح البخاري: قد اختلفوا فيما يجب على من قطع شجرة من شجر الحرم، فقال مالك وأبو ثور: لا يجب عليه إلا الاستغفار. وقال الشافعي: عليه الجزاء حلالا كان أو حراما، في الشجرة الكبيرة: بقرة، وقال في الخشب وما أشبهه: فيه قيمته بالغة ما بلغت، وقال الكوفيون: فيها قيمتها والمحرم في ذلك والحلال سواء، وأجمع كل من نحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كل ما ينبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم فعن مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار أنهم رخصوا في ذلك، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا يستمشى به ولا ينزع من أصله، ورخص فيه عمرو بن دينار .

                                                الخامس: لا يجوز رفع لقطتها إلا لمنشد، قال القاضي عياض: حكم اللقطة في سائر البلاد واحد، وعند الشافعي أن لقطة مكة بخلاف غيرها من البلاد، وأنها لا تحل إلا لمن يعرفها؛ تعلقا بهذا الحديث، ويحمل اللفظ على أصلنا على المبالغة للتعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود إلا بعد أعوام، فتدعو الضرورة لإطالة التعريف بها بخلاف غير مكة.

                                                قلت: مذهب أصحابنا أيضا كمذهب مالك؛ لعموم قوله -عليه السلام-: "اعرف وقاصها ووكاءها ثم عرفها سنة". من غير فصل.




                                                الخدمات العلمية