الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
و صدق في نفيه ، إن دل البساط على العد ، أو كانت موثقة فقالت : أطلقني وإن لم تسأله : فتأويلان .

التالي السابق


( و ) إن قال لزوجته أنت طالق أو اعتدي وادعى أنه لم يرد به الطلاق ( صدق ) بضم فكسر مثقلا أي الزوج المتكلم لفظ الصريح أو باعتدي ( في ) دعوى ( نفيه ) أي عدم إرادة الطلاق به ( إن دل بساط ) أي حال مقارن للكلام ( على ) إرادة الأمر ب ( العد ) لنحو الدراهم كذا في نسخة الشارح فما بعده جملة مستقلة معطوفة بأو على ما يصدق فيه ، ولا شيء عليه ، وفي نسخة على العداء بألف عقب الدال ، أي التعدي والظلم .

على هذه النسخة قالوا وفي قوله ( وكانت ) المرأة ( موثقة ) بضم الميم وفتح المثلثة أي مقيدة بقيد أو كتاف للحال فليس في المتن إلا ألف واحدة فاحتملت الوجهين كونها مما قبلها أو مما بعدها ( فقالت أطلقني ) من وثاقي فقال أنت طالق ، وقال أردت من الوثاق فيصدق بلا خلاف إن سألته ولو في القضاء ، وعلى النسخة الأولى فإما مقدرة في الأول ، والأصل إن دل بساط إما على العد أو كانت موثقة إلخ ، إذ كونها موثقة من البساط وعطفه بدون تقدير إما يوهم أنه ليس منه ضرورة اقتضاء العطف المغايرة .

( وإن ) كانت موثقة و ( لم تسأله ) أي الزوجة الزوج أن يطلقها من وثاقها ، وقال لها أنت طالق ، وقال أردت من الوثاق ( ف ) في تصديقه بيمين وعدمه ( تأويلان ) [ ص: 76 ] أصلهما قولان ، قال مطرف يصدق ، وقال أشهب لا يصدق فمنهم من حملها على الأول ومنهم من حملها على الثاني ، ومحلهما في القصاء . واتفقوا على تصديقه في الفتوى وإن لم تكن موثقة فلا يصدق اتفاقا . قوله وصدق في نفيه إلخ إشارة إلى أن اللزوم في الصريح وما ألحق به محله إذا لم يكن بساط دال على نفي إرادته ، فإن كان قبل منه ، فإن قيل الظاهر لزومه ولو سألته لأنها ليست كما قال ، بل موثقة فجوابه أنه يمكن كونه إخبارا باعتبار المآل أي : ستطلقين .

فإن قيل سبق في تخصيص العام وتقييد المطلق وتبيين المجمل تقديم النية على البساط ، وأنه تحويم عليها ، وهذا يقتضي صرف ألفاظ الطلاق الصريحة أو الكناية الظاهرة عنه بها بالأولى من البساط ، وقد صرحوا هنا بأنها لا تصرفها عنه ، وأن البساط يصرفها عنه قبل شرط تقديم النية مساواتها عرفا للموضوع له ، وهي هنا بعيدة بالنسبة له ، وانضم لهذا خفاؤها فاحتيط للفروج بإلغائها ، واعتبر البساط لظهوره والله أعلم أفاده عب البناني قول " ز " محلهما في القضاء إلخ هذا القيد حكاه في التوضيح بقيل ، وذلك أنه لما ذكر ما تقدم ، قال وقيل إن أتى مستفتيا صدق على كل حال إلا على مذهب من رأى أن مجرد لفظ الطلاق دون نيته يوجبه . ا هـ . واعتمده عج ومن تبعه ، وهو خلاف نصها .

ففي ابن يونس ما نصه ومن المدونة قلت لابن القاسم فيمن قال لزوجته أنت طالق وقال نويت من وثاق ولم أرد الطلاق ولا بينة عليه وجاء مستفتيا ، قال أرى الطلاق يلزمه ، وقد قال مالك رضي الله تعالى عنه فيمن قال لزوجته كلاما مبتدأ أنت برية ولم ينو به الطلاق فهي طالق ، ولا ينفعه ما أراد من ذلك بقلبه فكذلك مسألتك . وقال مالك رضي الله تعالى عنه يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم في ذلك إلا أن يكون جوابا لكلام كان قبله فلا شيء عليه . ابن يونس وقال مطرف إذا كانت في وثاق فقال أنت طالق يعني من الوثاق دينته ونويته . ابن يونس ولا يخالف في ذلك ابن القاسم إن شاء الله .

وهذا صريح في جعل التأويلين في المستفتي فكيف يصح تقييدهما بالقضاء وقد سلم [ ص: 77 ] كلامها . ابن يونس واللخمي وعياض وابن الحاجب وابن عبد السلام وابن عرفة وغيرهم ، وبحث فيه القرافي فقال إلزام الطلاق فيها لو قيل أنه خلاف الإجماع لم يبعد لأنه نظير من طلق امرأته ، فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وأراد الإخبار ، فقال أبو الطاهر لا يلزمه في الفتوى إجماعا ، ثم قال القرافي فينبغي أن تحمل مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتوى . ا هـ . واعتمد طفي كلام القرافي ومال إلى تقييد عج كلام المصنف بالقضاء ، وهو غير صواب إذ كيف يعدل عن كلامها مع تسليمه الشيوخ إلى مجرد بحث القرافي ، وقد قدم طفي قريبا وما بالعهد من قدم عند قوله لا محلوف لها ففيها وغيرها أن كلامها حجة على غيره وإن لم يقل به أحد ، كيف وقد سلمه هنا الشيوخ .

نعم بحث ابن عبد السلام في كلام ابن القاسم المتقدم بأن مسألة مالك رضي الله تعالى عنه التي قاس عليها ليس فيها نية مخالفة لظاهر اللفظ لقوله فيها ولم ينو به الطلاق ، ولم يقل ونوى به غير الطلاق ، ومسألة ابن القاسم فيها نية تمنع من وقوع الطلاق فلا يلزم من الحكم بالطلاق عند عدم المعارض الحكم به مع وجود المعارض ، ورده ابن عرفة بأن دعواه في قوله أنت برية أنه ليس فيه نية مزاحمة للطلاق باطلة ، لقوله فيها لا ينفعه ما أراده من ذلك بقلبه ، فقد نص على أنه أراد بقلبه شيئا غير الطلاق وحكم بعدم نفعه إياه .

فإن قلت المزاحم في أنت طالق بين وهو إطلاقها من الوثاق فيما هو في أنت برية .

قلنا هو كثير ككونها برية من الفجور ، أو الخير ، أو غيرهما ، قاله في تكميل التقييد .




الخدمات العلمية