الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 12 ] قوله ( إلا أنه يصح أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته ، وكذلك الظئر ) . وهذا المذهب مطلقا . وعليه جماهير الأصحاب . قال في القواعد : من الأصحاب من لم يحك فيه خلافا . قال الزركشي : هذا المشهور من الروايتين . واختيار القاضي في التعليق وجماعة . قال الطوفي في شرح الخرقي : هذا ظاهر المذهب . قال في القواعد : هذا أصح . ونصره المصنف ، والشارح ، وابن رزين وغيرهم . وجزم به في الوجيز وغيره . وقدمه في المحرر ، والفروع ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والتلخيص ، والنظم ، والفائق . وعنه : لا تصح فيهما حتى يصف الطعام والكسوة . وعنه : لا يصح في الأجير ، ويصح في الظئر . اختاره القاضي في بعض كتبه . قال الزركشي : أظنه في المجرد . وقدم في التلخيص : الصحة في الظئر . وأطلق في الأجير : الروايتين . قال في الرعاية الكبرى : فإن قدر للظئر حالة الإجارة ، وإلا فلها الوسط . فعلى المذهب : لو تنازعا في قدر الطعام والكسوة : رجع فيهما إلى العرف ، على الصحيح من المذهب . فيكون لها طعام مثلها أو مثله ، وكسوة مثلها أو مثله ، كالزوجة مع زوجها . نص عليه . وجزم به في التلخيص . وجزم بمثله في المحرر في المضارب . وقدمه في الفروع . وعنه : كالمسكين في الكفارة في الطعام والكسوة . وقدمه الطوفي في شرحه . وزاد : أو يرجع إلى كسوة الزوجات . وأطلقهما الزركشي . وقيل : يرجع في الإطعام إلى إطعام المسكين في الكفارة ، وفي الملبوس [ ص: 13 ] إلى أقل ملبوس مثلها . وقدمه في المغني ، والشرح ، والفائق . وجزم به في الرعاية الكبرى . قال الزركشي : وهو تحكم . قال في الرعاية الصغرى : وله الوسط مع النزاع . كإطعام الكفارة . وهذا القول نظير ما قطع به المصنف وغيره في نفقة المضارب مع التنازع . قوله ( ويستحب أن يعطي عند الفطام عبدا أو وليدة ، إذا كان المسترضع موسرا ) . هذا المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وقدمه في الفروع ، وغيره . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : ولعل هذا في المتبرعة بالرضاع . انتهى . وقال أبو بكر : يجب .

فوائد : منها : قال في الرعاية ، والنظم وغيرهما : لو كانت المرضعة أمة . استحب إعتاقها .

ومنها : لو استؤجرت للرضاع والحضانة معا . فلا إشكال في ذلك . وإن استؤجرت للرضاع ، وأطلق : فهل تلزمها الحضانة ؟ فيه وجهان . ذكرهما القاضي ومن بعده ، وأطلقهما في المغني ، والشرح ، والتلخيص ، والفروع ، والنظم ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والفائق .

أحدهما : يلزمها الحضانة أيضا . وقدمه في الرعاية الكبرى أيضا في الفصل الأربعين من هذا الباب .

والوجه الثاني : لا يلزمها سوى الرضاع . قدمه ابن رزين في شرحه . وقيل : الحضانة تتبع الرضاع ، للعرف . [ ص: 14 ] قلت : وهو الصواب . وقيل : عكسه . ذكره في الفروع . يعني : أن الرضاع يتبع الحضانة للعرف في ذلك . ولم أفهم معناه على الحقيقة . فعلى الوجه الثاني : ليس على المرضعة إلا وضع حلمة الثدي في فم الطفل وحمله ، ووضعه في حجرها . وباقي الأعمال في تعهده : على الحاضنة ، ودخول اللبن تبعا . كنقع البئر ، على ما يأتي . قال ابن القيم رحمه الله في الهدي : عن هذا القول الله يعلم ، والعقلاء قاطبة : أن الأمر ليس كذلك وأن وضع الطفل في حجرها ليس مقصودا أصلا ولا ورد عليه عقد الإجارة ، لا عرفا ولا حقيقة ، ولا شرعا . ولو أرضعت الطفل وهو في حجر غيرها أو في مهده ، لاستحقت الأجرة . ولو كان المقصود إلقام الثدي المجرد لاستؤجر له كل امرأة لها ثدي ، ولو لم يكن لها لبن . فهذا هو القياس الفاسد حقا والفقه البارد . انتهى . وإن استؤجرت للحضانة ، وأطلق : لم يلزمها الرضاع ، على الصحيح من المذهب . قال في التلخيص : لم يلزمها وجها واحدا . وقيل : يلزمها . وقدمه في الرعاية الكبرى في الفصل الأربعين . وأطلقهما في الفروع ، والرعاية الكبرى في موضع .

ومنها : المعقود عليه في الرضاع : خدمة الصبي ، وحمله ، ووضع الثدي في فمه على الصحيح من المذهب . وأما اللبن : فيدخل تبعا . قال في الرعاية : العقد وقع على المرضعة ، واللبن تبع ، يستحق إبلاغه بالرضاع . وقدمه في الشرح . قال في الفصول ، الصحيح : أن العقد وقع على المنفعة . ويكون اللبن تبعا . قال القاضي في الخصال : لبن المرضعة يدخل في عقد الإجارة ، وإن كان يهلك بالانتفاع . لأنه يدخل على طريق التبع . [ ص: 15 ] قلت : وكذا قال المصنف وغيره في هذا الباب ، حيث قالوا : يشترط أن تكون الإجارة على نفع . فلا تصح إجارة حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر ونفع البئر يدخل تبعا . وقاله في الفروع وغيره من الأصحاب ، على أحد الاحتمالين في كلام المصنف على ما يأتي . وقيل : العقد وقع على اللبن . قال القاضي : وهو الأشبه . قال ابن رزين في شرحه : وهو الأصح لقوله تعالى { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } انتهى . قال ابن القيم في الهدي : والمقصود إنما هو اللبن . وتقدم كلامه لمن قال : العقد وقع على وضعها الطفل في حجرها وإلقامه ثديها واللبن يدخل تبعا . قال الناظم : وفي الأجود المقصود بالعقد درها والإرضاع ، لا حضن ومبدأ مقصد وأطلق الوجهين في المغني ، والفروع ، والفائق .

ومنها : لو وقعت الإجارة على الحضانة والرضاع ، وانقطع اللبن : بطل العقد في الرضاع . وفي بطلانه في الحضانة وجهان . وأطلقهما في الرعاية الكبرى . قلت : الأولى : البطلان . لأنها في الغالب تبع . وإذا لم تلزمها الحضانة . وانقطع لبنها : ثبت الفسخ . وإن قلنا : تلزمها الحضانة ، لم يثبت الفسخ ، على الصحيح . قال في الرعاية : لم يثبت الفسخ في الأصح . فيسقط من الأجرة بقسطه . وقيل : يثبت الفسخ . وأطلقهما في التلخيص ، والفائق . ومنها : يجب على المرضعة أن تأكل وتشرب ما يدر به لبنها ، ويصلح به . وللمكتري مطالبتها بذلك . [ ص: 16 ] ولو سقته لبنا ، أو أطعمته : فلا أجرة لها . وإن أرضعته خادمها : فكذلك قطع به في المغني ، والشرح . ومنها : لا تشترط رؤية المرتضع ، بل تكفي صفته . جزم به في الرعايتين ، والفائق . قلت : وهو الصواب . وقيل : تشترط رؤيته . قدمه في المغني ، والشرح ، وشرح ابن رزين . وجزم به في المذهب . وهو المذهب . على ما اصطلحناه . وأطلقهما في الفروع .

ومنها : يشترط معرفة مدة الرضاع ومكانه : هل هو عند المرضعة ، أو عند أبويه ؟ قطع به المصنف ، والشارح ، وصاحب الفروع ، والنظم ، وغيرهم . ويأتي : هل تبطل الإجارة بموت المرضعة ؟ عند قوله " وتنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها " . ومنها : رخص الإمام أحمد رضي الله عنه في مسلمة ترضع طفلا لنصارى بأجرة ، لا لمجوسي . وقدمه في الفروع . وسوى أبو بكر وغيره بينهما لاستواء البيع والإجارة .

التالي السابق


الخدمات العلمية