الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( الثالث : المطالبة بها على الفور ) . هذا الصحيح من المذهب . وعليه جماهير الأصحاب . وقطع به كثير منهم ، ونص عليه . بل هو المشهور عنه . وعنه : أنها على التراخي ما لم يرض كخيار العيب . اختاره القاضي يعقوب . قاله الحارثي وغيره . وحكى جماعة وعدهم رواية بثبوتها على التراخي . لا تسقط ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى أو دليله . كالمطالبة بقسمة أو بيع ، أو هبة ، نحو : بعنيه ، أو هبه لي ، أو قاسمني ، أو بعه لفلان ، أو هبه له . انتهى . والتفريع على الأول . قوله ( ساعة يعلم ) . نص عليه . هذا المذهب . أعني أن المطالبة على الفور ساعة يعلم . نص عليه . وعليه أكثر الأصحاب . وجزم به ابن البنا في خصاله ، والعمدة ، والوجيز ، ومنتخب الأزجي ، وغيرهم . وقدمه في الهداية ، ومسبوك الذهب ، والمستوعب ، والخلاصة ، والكافي ، والهادي ، والتلخيص ، والمحرر ، والشرح ، والرعايتين ، والنظم ، وشرح ابن منجا والحارثي ، والفروع ، والفائق ، وإدراك الغاية ، وغيرهم . نقل ابن منصور : لا بد من طلبها حين يسمع حتى يعلم طلبه . ثم له أن يخاصم ولو بعد أيام .

قاله في الفروع وغيره . وقال القاضي : له طلبها في المجلس ، وإن طال . وهو رواية عن الإمام أحمد . [ ص: 261 ] واختارها ابن حامد أيضا ، وأكثر أصحاب القاضي ، منهم الشريفان أبو جعفر ، والزيدي وأبو الخطاب في رءوس المسائل ، وابن عقيل ، والعكبري ، وغيرهم . قال الحارثي : وهذا يتخرج من نص الإمام أحمد رحمه الله على مثله في خيار المجبرة ومن غيره . قال : وهذا متفرع على القول بالفورية ، كما في التمام ، وفي المغني . لأن المجلس كله في معنى حالة العقد . بدليل التقابض فيه لما يعتبر له القبض . ينزل منزلة حالة العقد . ولكن إيراده هنا مشعر بكونه قسيما للفورية . انتهى . قال في الفروع : اختاره الخرقي ، وابن حامد ، والقاضي ، وأصحابه . قلت : ليس كما قال عن الخرقي ، بل ظاهر كلامه : وجوب المطالبة ساعة يعلم . فإنه قال : ومن لم يطالب بالشفعة في وقت علمه بالبيع فلا شفعة له . انتهى . وأطلقهما في المذهب .

تنبيهان : إحداهما : قال الحارثي : وفي جعل هذا شرطا إشكال . وهو أن المطالبة بالحق فرع ثبوت ذلك الحق . ورتبة ذلك الشرط تقدمه على المشروط . فكيف يقال بتقدم المطالبة على ما هو أصل له ؟ هذا خلف . أو نقول : اشتراط المطالبة يوجب توقف الثبوت عليها . ولا شك في توقف المطالبة على الثبوت . فيكون دورا . والصحيح : أنه شرط لاستدامة الشفعة ، لا لأصل ثبوت الشفعة . ولهذا قال : فإن أخبره سقطت شفعته . انتهى .

الثاني : كلام المصنف وغيره : مقيد بما إذا لم يكن عذر . فإن كان عذر مثل : أن لا يعلم ، أو علم ليلا فأخره إلى الصبح ، أو أخره لشدة جوع ، أو عطش حتى أكل أو شرب . أو أخره لطهارة أو إغلاق باب ، أو ليخرج من الحمام ، أو [ ص: 262 ] ليقضي حاجته ، أو ليؤذن ويقيم . ويأتي بالصلاة وسنتها ، أو ليشهدها في جماعة يخاف فوتها ، ونحو ذلك . وفي التلخيص : احتمال بأنه يقطع الصلاة ، إلا أن تكون فرضا . قال الحارثي : وليس بشيء . وهو كما قال . فلا تسقط ، إلا أن يكون المشتري حاضرا عنده في هذه الأحوال . فمطالبته ممكنة ، ما عدا الصلاة . وليس عليه تخفيفها ، ولا الاقتصار على أقل ما يجزئ . ثم إن كان غائبا عن المجلس ، حاضرا في البلد . فالأولى : أن يشهد على الطلب ، ويبادر إلى المشتري بنفسه ، أو بوكيله . فإن بادر هو أو وكيله من غير إشهاد : فالصحيح من المذهب : أنه على شفعته . صححه في التلخيص ، وشرح الحارثي ، وغيرهما . قال الحارثي : وهو ظاهر إيراد المصنف في آخرين . وقيل : يشترط الإشهاد . واختاره القاضي في الجامع الصغير . ويأتي : هل يملك الشفيع الشقص بمجرد المطالبة أم لا ؟ عند قوله " وإن مات الشفيع بطلت الشفعة " . وأما إن تعذر الإشهاد : سقط ، بلا نزاع ، والحالة هذه . لانتفاء التقصير . وإن اقتصر على الطلب مجردا عن مواجهة المشتري ، قال الحارثي : فالمذهب الإجزاء . قال : وكذلك قال أبو الحسن بن الزاغوني في المبسوط . ونقلته من خطه . فقال : الذي نذهب إليه : أن ذلك يغني عن المطالبة بمحضر الخصم . فإن ذلك ليس بشرط في صحة المطالبة . وهو ظاهر ما نقله أبو طالب عن الإمام أحمد رحمه الله . وهو قياس المذهب أيضا . وهو ظاهر كلام أبي الخطاب في رءوس مسائله ، والقاضي أبي الحسين في تمامه . [ ص: 263 ] وصرح به في المحرر ، لكن بقيد الإشهاد . وهو المنصوص من رواية أبي طالب والأثرم . وهذا اختيار أبي بكر . وإيراد المصنف هنا : يقتضي عدم الإجزاء ، وأن الواجب المواجهة . ولهذا قال : فإن ترك الطلب والإشهاد لعجزه عنهما كالمريض ، والمحبوس فهو على شفعته . ومعلوم أنهما لا يعجزان عن مناطقة أنفسهما بالطلب . وقد صرح به في العمدة . فقال : إن أخرها يعني : المطالبة بطلت شفعته إلا أن يكون عاجزا عنها لغيبة ، أو حبس ، أو مرض . فيكون على شفعته متى قدر عليها . انتهى كلام الحارثي .

التالي السابق


الخدمات العلمية