الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن مات الشفيع : بطلت الشفعة ، إلا أن يموت بعد طلبها فتكون لوارثه ) . إذا مات الشفيع فلا يخلو : إما أن يكون قد مات قبل طلبها أو بعده . فإن مات قبل طلبها : لم يستحق الورثة الشفعة . على الصحيح من المذهب . وعليه الأصحاب . ونص عليه مرارا . قال في القواعد الفقهية : لا تورث مطالبة الشفعة من غير مطالبة ربها . على الصحيح من المذهب . وله مأخذان .

أحدهما : أنه حق له : فلا يثبت بدون مطالبته . ولو علمت رغبته من غير مطالبته لكفى في الإرث . ذكره القاضي في خلافه .

والمأخذ الثاني : أن حقه سقط بتركه وإعراضه ، لا سيما على قولنا : إنها على الفور . [ ص: 298 ] فعلى هذا : لو كان غائبا فللورثة المطالبة . وليس ذلك على الأول . انتهى . وقيل : للورثة المطالبة . وهو تخريج لأبي الخطاب . ونقل أبو طالب : إذا مات صاحب الشفعة ، فلولده أن يطلبوا الشفعة لمورثهم قال في القواعد : وظاهر هذا : أن لهم المطالبة بكل حال . انتهى . وإن مات بعد أن طالب بها : استحقها الورثة . وهو المذهب . وعليه الأصحاب . ولا أعلم فيه خلافا . وقد توقف في رواية ابن القاسم ، وقال : وهو موضع نظر . وتقدم نظير ذلك في آخر فصل خيار الشرط . قال الحارثي : ثم من الأصحاب من يعلل بإفادة الطلب للملك . فيكون الحق موروثا بهذا الاعتبار . وهي طريقة القاضي ، وأبي الخطاب ، ومن وافقهما على إفادة الملك . ومنهم من يعلل بأن الطلب مقرر للحق . ولهذا لم تسقط بتأخير الأخذ بعدة وتسقط قبله . وإذا تقرر الحق وجب أن يكون موروثا . وهي طريقة المصنف ، ومن وافقه على أن الطلب لا يفيد الملك . وهو مقتضى كلام الإمام أحمد رحمه الله .

تنبيه : ظاهر كلام المصنف : أن الشفيع لا يملك الشقص بمجرد المطالبة . وهو أحد الوجوه . فلا بد للتملك من أخذ الشقص ، أو يأتي بلفظ يدل على أخذه بعد المطالبة . بأن يقول " قد أخذته بالثمن " أو " تملكته بالثمن " ونحو ذلك . وهو اختيار المصنف ، والشارح . وقدمه الحارثي ، ونصره . وقال : اختاره المصنف ، وغيره من الأصحاب . وقيل : يملكه بمجرد المطالبة إذا كان مليئا بالثمن . وهو المذهب . اختاره القاضي ، وأبو الخطاب ، وابن عبدوس في تذكرته . وقدمه في الفروع ، والمستوعب ، والرعايتين ، والحاوي الصغير . قال الحارثي : وهو قول القاضي ، وأكثر أصحابه ، وصاحب التلخيص . [ ص: 299 ] فيصح تصرفه قبل قبضه فيه . وقيل : لا يملكه إلا بمطالبته وقبضه . وقيل : لا يملكه إلا بحكم حاكم . اختاره ابن عقيل . وقطع به في تذكرته . قال الحارثي : ويحصل الملك بحكم الحاكم أيضا . ذكره ابن الصيرفي في نوادره . وقال به غير واحد . انتهى . وقيل : لا يملكه إلا بدفع ثمنه ، ما لم يصر مشتريه واختاره ابن عقيل أيضا . حكاه في المستوعب ، والتلخيص . قال في القواعد : ويشهد له نص الإمام أحمد رحمه الله : إذا لم يحضر المال مدة طويلة . بطلت شفعته . وقال في الرعاية : الأصح أن له التصرف قبل قبضه وتملكه . وقال في التلخيص ، والترغيب : للمشتري حبسه على ثمنه . لأن الملك بالشفعة قهري كالميراث ، والبيع عن رضى . ويخالفه أيضا في خيار الشرط . وكذا خيار مجلس من جهة شفيع بعد تملكه . لنفوذ تصرفه قبل قبضه بعد تملكه بإرث .

تنبيه : قوله ( ويأخذ الشفيع بالثمن الذي وقع عليه العقد ) . قال الحارثي : فيه مضمر حذف اختصارا . وتقديره : مثل الثمن ، أو قدره . لأن الأخذ بعين الثمن المأخوذ به للمشتري غير ممكن . فتعين الإضمار . وإذن فالظاهر إرادة الثاني ، وهو القدر . لأنه تعرض لوصف التأجيل ، والمثلية ، والتقويم فيما بعد . فلو كان المثل مرادا : لكان تكريرا . لشمول " المثل " للصفة والذات . انتهى .

فوائد : منها : تنتقل الشفعة إلى الورثة كلهم على حسب ميراثهم . ذكره غير واحد منهم المصنف ، والشارح ، والسامري ، وابن رجب ، وغيرهم . [ ص: 300 ]

ومنها : لا فرق في الوارث بين ذوي الرحم والزوج والمولى وبيت المال . فأخذ الإمام بها . صرح به الأصحاب . قاله في القاعدة التاسعة والأربعين بعد المائة .

ومنها : إشهاد الشفيع على الطلب حالة العذر يقوم مقام الطلب في الانتقال إلى الورثة .

ومنها : شفيعان في شقص . عفا أحدهما ، وطالب الآخر ، ثم مات . فورثه العافي : له أخذ الشقص بالشفعة . ذكره المصنف ، وغيره . قال المصنف : كذا لو قذف رجل أمهما الميتة . فعفا أحدهما ، وطالب الآخر ثم مات . فورثه العافي : كان له استيفاء الحد بالنيابة عن أخيه ، إذا قيل بوجوب الحد بقذفها . قوله ( وإن عجز عنه أو عن بعضه : سقطت شفعته ) . ولو أتى برهن أو ضامن : لم يلزم المشتري . ولكن ينظر ثلاثا . على الصحيح من المذهب ( حتى يتبين عجزه ) . نص عليه . وجزم به في الرعاية الصغرى ، والمحرر ، والحاوي الصغير ، والنظم ، وتذكرة ابن عبدوس . وقدمه في الفروع ، والحارثي . وعنه : لا ينظر إلا يومين . جزم به في المغني ، والشرح ، والتلخيص ، والمستوعب وعنه : يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم . قلت : وهذا الصواب في وقتنا هذا . فإذا مضى الأجل : فسخ المشتري . على الصحيح من المذهب . اختاره القاضي ، والمصنف . قال الحارثي : وهو أصح . وقدمه في الفروع . وقيل : إنما يفسخه الحاكم . قدمه في الشرح ، والرعاية ، والفائق . وقيل : يتبين بطلانه . اختاره ابن عقيل . [ ص: 301 ] قال الحارثي : والمنصوص من رواية الحمال : بطلان الشفعة مطلقا . وهو ما قال في التلخيص ، والمحرر .

فوائد : الأولى : المذهب أن الأخذ بالشفعة نوع بيع . لأنه دفع مال لغرض التملك . ولهذا اعتبر له العلم بالشقص وبالثمن . فلا يصح مع جهالتهما . ذكره المصنف ، وغيره قال : وله المطالبة بالشفعة مع الجهالة . ثم يتعرف مقدار الثمن . وذكر احتمالا بجواز الأخذ مع جهالة الشقص بناء على جواز بيع الأعيان الغائبة .

الثانية : قال المصنف ، وغيره : إذا أخذ بالشفعة لم يلزم المشتري تسليم الشقص حتى يقبض الثمن . وقاله في التلخيص ، وغيره . وفرق بينه وبين البيع .

الثالثة : لو تسلم الشقص والثمن في الذمة ، فأفلس . فقال المصنف ، وغيره : المشتري مخير بين الفسخ والضرب مع الغرباء بالثمن كالبائع إذا أفلس المشتري . الرابعة : في رجوع شفيع بأرش على مشتر عفا عنه بائع : وجهان . وأطلقهما في الرعاية ، والفروع . قلت : الصواب عدم الرجوع . وهو ظاهر كلام كثير من الأصحاب . ثم وجدته في المغني ، والشرح ، وشرح ابن رزين ، والحارثي . قطعوا بذلك . وتقدم ذلك بعد قوله " وإن فسخ البيع بعيب أو إقالة " . قوله ( وإن كان مؤجلا : أخذه الشفيع بالأجل إن كان مليئا ، وإلا أقام كفيلا مليئا وأخذ به ) . هذا المذهب . وعليه الأصحاب . ونص عليه . لكن شرط القاضي في الجامع الصغير ، وغيره ، وولده أبو الحسين ، والقاضي يعقوب ، وأبو الحسن بن بكروس : وصف " الثقة " مع " الملاءة " فلا يستحق بدونهما . [ ص: 302 ] قال الحارثي : وليس ببعيد من النص .

فائدة : لو أخذ الشفيع بالأجل ، ثم مات هو أو المشتري وقلنا : يحل الدين بالموت حل الثمن عليه ، ولم يحل على الحي منهما . ذكره المصنف وغيره .

فائدة : قال الحارثي : إطلاق قول المصنف " إن كان مؤجلا أخذه بالأجل إن كان مليئا " يفيد ما لو لم يتفق طلب الشفيع إلا عند حلول الأجل أو بعده ، أن يثبت له استئناف الأجل . وقطع به ونصره . قوله ( وإن كان الثمن عرضا : أعطاه مثله ، إن كان ذا مثل ، وإلا قيمته ) . اعلم أن الثمن لا يخلو : إما أن يكون مثليا ، أو متقوما . فإن كان مثليا : انقسم إلى نقد وعرض . وأيا ما كان فالمماثلة فيه تتعلق بأمور .

أحدهما : الجنس . فيجب مثله من الجنس : كالذهب ، والفضة ، والحنطة ، والشعير ، والزيت ، ونحوه . وإن انقطع المثل حالة الأخذ : انتقل إلى القيمة . كما في الغصب . حكاه ابن الزاغوني محل وفاق . وفي أصل المسألة رواية : أنه يأخذ بقيمة المكيل والموزون ، تعذر المثل أو لا وأما المذروع كالثياب فقال ابن الزاغوني في شروطه : القول فيه كالقول في المكيل والموزون . إلا أن القول فيه هنا مبني على السلم فيه . فحيث صححنا السلم فيه : أخذ مثلها ، إلا على الرواية في أنها مضمونة القيمة فيأخذ الشفيع بالقيمة وحيث قلنا : لا تصح بأخذ القيمة ، والأولى : القيمة . انتهى . قال الحارثي : والقيمة اختيار المصنف ، وعامة الأصحاب . وأما المعدود كالبيض ونحوه فقال ابن الزاغوني : ينبني على السلم فيه . إن قيل بالصحة : ففيه ما في المكيل ، والموزون . وإلا فالقيمة .

الثاني : المقدار ، فيجب مثل الثمن قدرا من غير زيادة ولا نقص . فإن وقع [ ص: 303 ] العقد على ما هو مقدر بالمعيار الشرعي فذلك . وإن كان بغيره كالبيع بألف رطل من حنطة فقال في التلخيص : ظاهر كلام أصحابنا : أنه يكال ويدفع إليه مثل مكيله ، لأن الربويات تماثلها بالمعيار الشرعي . وكذلك إقراض الحنطة بالوزن . قال : يكفي عندي الوزن هنا . إذ المبذول في مقابلة الشقص وقدر الثمن : معياره لا عوضه . انتهى .

تنبيه : تقدم في الحيل : إذا جهل الثمن ما يأخذ .

الثالث : الصفة في الصحاح ، والمكسرة ، والسود ، ونقد البلد ، والحلول ، وضدها . فيجب مثله صفة . وإن كان متقوما كالعبد ، والدار ، ونحوهما فالواجب اعتباره بالقيمة يوم البيع . وقال في الرعاية : يأخذ الشفيع الشقص بما استقر عليه العقد من ثمن مثلي أو قيمة غيره وقت لزوم العقد . وقيل : بل وقت وجوب الشفعة . انتهى .

فائدة : لو تبايع ذميان بخمر ، إن قلنا : ليست مالا لهم . فلا شفعة بحال . اختاره القاضي ، وابن عقيل ، والمصنف ، وغيرهم . واقتصر عليه الحارثي . وإن قلنا : هي مال لهم . فأطلق أبو الخطاب ، وغيره : وجوب الشفعة . وكذا قال القاضي وغيره . ثم قال في المستوعب ، والتلخيص : يأخذ بقيمة الخمر كما لو أتلف على ذمي خمرا . قوله ( وإن اختلفا في قدر الثمن فالقول قول المشتري ، إلا أن يكون للشفيع بينة ) . وهذا بلا نزاع . وعليه الأصحاب . [ ص: 304 ] لكن لو أقام كل واحد من الشفيع والمشتري بينة بثمنه . فقال القاضي ، وابنه أبو الحسين ، وأبو الخطاب ، وابن عقيل ، والشريف أبو جعفر ، وأبو القاسم الزيدي ، وصاحب المستوعب : تقدم بينة الشفيع . قال الحارثي : ويقتضيه إطلاق الخرقي ، والمصنف هنا . وجزم هنا به في الرعايتين ، والحاوي الصغير ، والمستوعب ، والهداية ، والمذهب ، والخلاصة . وقيل : تتعارضان . وهو احتمال في المغني . وقدمه ابن رزين في شرحه . وقيل : باستعمالهما بالقرعة . وأطلقهن في الفروع . ووجه الحارثي قولا : أن القول قول المشتري . لأنه قال : قول الأصحاب هنا مخالف لما قالوه في بينة البائع والمشتري ، حيث قدموا بينة البائع . لأنه مدع بزيادة . وهذا بعينه موجود في المشتري هنا . فيحتمل أن يقال فيه بمثل ذلك . انتهى .

فوائد : إحداهما : لو قال المشتري : لا أعلم قدر الثمن . فالقول قوله . ذكره الأصحاب : القاضي وابن عقيل ، والمصنف ، وغيرهم . قال القاضي ، وابن عقيل : فيحلف أنه لا يعلم قدره . لأن ذلك وفق الجواب . وإذن لا شفعة . لأنها لا تستحق بدون البدل ، وإيجاب البدل متعذر للجهالة . لو ادعى المشتري جهل قيمة العرض : فكدعوى جهل الثمن . ذكره المصنف وغيره . وتقدم التنبيه على ذلك بعد ذكر الحيل أول الباب .

التالي السابق


الخدمات العلمية