الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن غرسها ، أو بنى فيها : أخذ بقلع غرسه وبنائه وتسوية الأرض ، وأرش نقصها وأجرتها ) . وهذا مقطوع به عند جمهور الأصحاب . إلا أن صاحب الرعاية قال : لزمه القلع في الأصح . قال في القاعدة السابعة والسبعين : والمشهور عن الإمام أحمد رحمه الله : للمالك قلعه مجانا ، وعليه الأصحاب . عنه : لا يقلع ، بل يتملكه بالقيمة . [ ص: 135 ] وعليها : لا يقلع إلا مضمونا كغرس المستعير . كذلك حكاهما القاضي ، وابن عقيل . تنبيه :

شمل كلام المصنف : ما لو كان الغارس أو الباني أحد الشريكين . وهو كذلك ، حتى ولو لم يغصبه ، لكن غرس أو بنى من غير إذن . وهو صحيح نص عليه في رواية جعفر بن محمد : أنه سئل عن رجل غرس نخلا في أرض بينه وبين قوم مشاعا ؟ قال : إن كان بغير إذنهم قلع نخله . ويأتي هذا أيضا في الشفعة . فوائد : منها : لو زرع فيها شجرا بنواه . فالمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله وعليه الأصحاب : أنه له ، كما في الغراس . ويحتمل كونه لرب الأرض . لدخوله في عموم أخبار الزرع . قاله الحارثي .

ومنها : لو أثمر ما غرس الغاصب ، فقال في المجرد ، والفصول ، وصاحب المستوعب ، ونوادر المذهب : الثمر لمالك الأرض ، كالزرع . إن أدركه أخذه ورد النفقة ، وإلا فهو للغاصب . واختاره القاضي . ونص عليه في رواية علي بن سعيد . قال في الفروع : ونصه فيمن غرس أرضا : الثمرة لرب الأرض ، وعليه النفقة . وقال المصنف في المغني ، والشارح . وصاحب الفائق ، وابن رزين : لو أثمر ما غرسه الغاصب ، فإن أدركه صاحب الأرض بعد الجذاذ : فللغاصب . وكذلك قبله . عنه : لمالك الأرض ، وعليه النفقة . انتهوا . قال ابن رزين عن القول بأنه لصاحب الأرض ليس بشيء . قال الحارثي : وفيه وجه أنه للغاصب بكل حال . وحكاه ابن الزاغوني في كتاب الشروط رواية عن الإمام أحمد . [ ص: 136 ] قال : وهذا أصح ، اعتبارا بأصله . قال : والقياس على الزرع ضعيف . واختار الحارثي ما قدمه المصنف . وقدمه في الرعايتين ، والحاوي الصغير .

ومنها : لو جصص الدار وزوقها ، فحكمها كالبناء . قاله في الكافي . ولو وهب ذلك لمالكها ، ففي إجباره على قبوله وجهان كالصبغ في الثوب ، على ما يأتي . ومنها : لو غصب أرضا ، فبناها دارا بتراب منها وآلات من المغصوب منه : فعليه أجرتها مبنية . وإن كانت آلاتها من مال الغاصب : فعليه أجرة الأرض دون بنائها . لأنه إنما غصب الأرض ، والبناء له . فلم يلزمه أجرة ماله . فلو أجرها فالأجرة لهما بقدر قيمتهما . نقل ابن منصور فيمن بنى فيها ويؤجرها الغلة على النصيب . ونقل ابن منصور أيضا : ويكون شريكا بزيادة بناء .

ومنها : لو طلب أخذ البناء أو الغراس بقيمته ، وأبى مالكه إلا القلع : فله ذلك ، ولا يجبر على أخذ القيمة . وفي البناء تخريج : إذا بذل صاحب الأرض لصاحب القيمة : أنه يجبر على قبولها إذا لم يكن في النقض غرض صحيح . وهو للمصنف . والمذهب : الأول . وذكر ابن عقيل رواية فيه : لا يلزمه . ويعطيه قيمته . ونقله ابن الحكم . وروى الخلال فيه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا { له ما نقص } . قال أبو يعلى الصغير : هذا منعنا من القياس . ونقل جعفر بن محمد فيها : لرب الأرض أخذه . وجزم به ابن رزين . وزاد : وتركه بأجرة . انتهى .

ومنها : إذا اتفقا على القيمة : فالواجب قيمة الغراس مقلوعا . حكاه ابن أبي موسى وغيره . وإن وهبهما الغاصب لرب الأرض ، ليدفع عن نفسه كلفة القلع : فقبله جاز . [ ص: 137 ] وإن أبى إلا القلع وكان في قلعه غرض صحيح لم يجبر على القبول . وإن لم يكن له في القلع غرض صحيح ، ففي إجباره على القول : احتمالان . وأطلقهما في المغني ، والشرح والحارثي والفروع . قال في الرعاية : وإن وهبها لرب الأرض : لم يلزمه القبول ، إن أراد القلع ، وإلا احتمل وجهين . انتهى . قلت : الأولى أنه لا يجبر .

ومنها : لو غصب أرضا وغراسا من شخص واحد ، فغرسه فيها : فالكل لمالك الأرض . فإن طالبه رب الأرض بقلعه وله في قلعه غرض صحيح أجبر عليه . وعليه تسوية الأرض ونقصها ونقص الغراس . وإن لم يكن في قلعه غرض صحيح : لم يجبر على الصحيح من المذهب . قدمه في المغني ، والشرح ، والحارثي والفروع ، وغيرهم . وقيل : يجبر . وهو احتمال للمصنف . وإن أراد الغاصب قلعه ابتداء : فله منعه . قاله الحارثي ، وصاحب الرعاية ، وغيرهما . ويلزمه أجرته مبنيا ، كما تقدم . فائدتان : إحداهما : لو غرس المشتري من الغاصب ولم يعلم بالحال . فقال ابن أبي موسى ، والقاضي في المجرد ، وتبعه عليه المتأخرون : للمالك قلعه مجانا . ويرجع المشتري بالنقص على من غره . قال الحارثي : الحكم كما تقدم . قاله أصحابنا . وقدمه في المحرر ، والرعايتين والحاوي الصغير ، وغيرهم . وقال في القاعدة السابعة والسبعين : المنصوص أنه يتملكه بالقيمة ، ولا بقلع مجانا . نقله حرب ، ويعقوب بن بختان . قال : ولا يثبت عن الإمام أحمد رحمه الله سواه وهو الصحيح . انتهى . [ ص: 138 ] ويأتي في كلام المصنف ما هو أعم من ذلك في الباب في قوله " وإن اشترى أرضا فغرسها ، وبنى فيها ، فخرجت مستحقة " .

الثانية : الرطبة ونحوها : هل هي كالزرع في الأحكام المتقدمة ، أو كالغراس ؟ فيه احتمالان . وأطلقهما في المغني ، والشرح ، والفروع ، والفائق ، وقواعد ابن رجب ، والزركشي .

أحدهما : أنه كالزرع . قدمه ابن رزين في شرحه . وقال : لأنه زرع ليس له فرع قوي . فأشبه الحنطة . قال الزركشي : ويدخل في عموم كلام الخرقي . قلت : وكذا غيره .

والوجه الثاني : هو كالغراس . قال الناظم : وكالغرس في الأقوى : المكرر جزه . ويأتي قريبا " لو حفر في الأرض بئرا " .

التالي السابق


الخدمات العلمية