الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن قاسم المشتري وكيل الشفيع ، أو قاسم الشفيع لكونه أظهر له زيادة في الثمن ، أو نحوه ، وغرس ، أو بنى : فللشفيع أن يدفع إليه قيمة الغراس والبناء ويملكه ، أو يقلعه ، ويضمن النقص ) . إذا أبى المشتري أخذ غرسه وبنائه : كان للشفيع أخذ الغراس والبناء ، والحالة هذه . وله القلع ، وضمان النقص ، على الصحيح من المذهب . وعليه أكثر الأصحاب . وقطع به كثير منهم . وقدمه في الفروع وغيره . [ ص: 293 ] قال في الانتصار : أو أقره بأجرة . فإن أبى فلا شفعة . قال الحارثي : إذا لم يقلع المشتري : ففي الكتاب تخيير الشفيع بين أخذ الغراس والبناء بالقيمة ، وبين قلعه وضمان نقصه . وهذا ما قاله القاضي وجمهور أصحابه قال : ولا أعرفه نقلا عن الإمام أحمد رحمه الله . وإنما المنقول عنه روايتان التخيير من غير أرش . والأخرى وهي المشهورة عنه : إيجاب القيمة من غير تخيير . وهو ما ذكره الخرقي ، وابن أبي موسى ، وابن عقيل في التذكرة ، وأبو الفرج الشيرازي . وهو المذهب . زاد ابن أبي موسى : ولا يؤمر المشتري بقلع بنائه . انتهى . قال في الفروع : ونقل الجماعة : له قيمة البناء ، ولا يقلعه . ونقل سندي : أله قيمة البناء ، أم قيمة النقص ؟ قال : لا ، قيمة البناء .

فائدة : إذا أخذه بالقيمة . قال الحارثي : يعتبر بذل البناء أو الغراس بما يساويه حين التقويم ، لا بما أنفق المشتري ، زاد على القيمة أو نقص . ذكره أصحابنا . انتهى . وقال في المغني ، وتبعه الشارح : لا يمكن إيجاب قيمته باقيا . لأن البقاء غير مستحق . ولا قيمته مقلوعا . لأنه لو كان كذلك ، لملك القلع مجانا . ولأنه قد يكون لا قيمة له إذا قلع . قالا : ولم يذكر أصحابنا كيفية وجوب القيمة . والظاهر : أن الأرض تقوم مغروسة ومبنية ، ثم تقوم خالية . فيكون ما بينهما قيمة الغرس والبناء . وجزم بهذا ابن رزين في شرحه . قال المصنف ، والشارح : ويحتمل أن يقوم الغرس والبناء مستحقا للترك بالأجرة ، أو لأخذه بالقيمة ، إذا امتنعا من قلعه . انتهيا . [ ص: 294 ] قوله ( فإن اختار أخذه فأراد المشتري وهو صاحبه قلعه : فله ذلك ، إذا لم يكن فيه ضرر ) . هذا أحد الوجهين . اختاره المصنف ، والشارح . وجزم به الخرقي ، وابن عقيل في التذكرة ، والأدمي البغدادي ، وابن منجا في شرحه ، وصاحب الوجيز . والصحيح من المذهب : أن له القلع ، سواء كان فيه ضرر أو لا . وعليه أكثر الأصحاب . قال الحارثي : ولم يعتبر القاضي وأصحابه الضرر وعدمه . قال الزركشي : وهو ظاهر كلام الأكثرين . بل الذي جزموا به : له ذلك سواء أضر بالأرض ، أو لم يضر . انتهى . وقدمه في الفروع ، والتلخيص ، والفائق .

تنبيه : قال الحارثي : وهذا الخلاف الذي أورده من أورده من الأصحاب مطلقا : ليس بالجيد . بل يتعين تنزيله : إما على اختلاف حالين . وإما على ما قبل الأخذ . وإنما أورده القاضي ، وابن عقيل في الفصول ، على هذه الحالة لا غير . وحيث قيل باعتبار عدم الضرر . ففيما بعد الأخذ ، وهو ظاهر ما أورده في التذكرة .

فائدتان : إحداهما : لو قلعه المشتري ، وهو صاحبه : لم يضمن نقص الأرض . على الصحيح من المذهب . اختاره القاضي وغيره . قال في الفروع : لا يضمن نقص الأرض في الأصح . وقدمه في الشرح ، والفائق . وجزم به في الكافي . وعلله بانتفاء عدوانه ، مع أنه جزم في باب العارية بخلافه . [ ص: 295 ] وقيل : يلزمه . وهو ظاهر كلام الخرقي . ومال إليه الحارثي . وقال : والكلام في تسوية الحفر : كالكلام في ضمان أرش النقص . وأطلقهما في القاعدة الثامنة والسبعين .

الثانية : يجوز للمشتري التصرف في الشقص الذي اشتراه بالغرس والبناء في الجملة . وهو ظاهر كلام الأصحاب . قال في رواية سندي : ليس هذا بمنزلة الغاصب . وقال في رواية حنبل : لأنه عمر . وهو يظن أنه ملكا ، وليس كما إذا زرع بغير إذن أهله . قال الحارثي : إنما هذا بعد القسمة والتمييز ، ليكون التصرف في خالص . ملكه . أما قبل القسمة : فلا يملك الغرس والبناء . وللشفيع إذا قلع الغرس والبناء مجانا للشركة ، لا للشفعة . فإن أحد الشريكين إذا انفرد بهذا التصرف كان للآخر القلع مجانا . قال جعفر بن محمد : سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل غرس نخلا في أرض بينه وبين قوم مشاعا ؟ قال : إن كان بغير إذنهم قلع نخله . انتهى . قلت : وهذا لا شك فيه .

التالي السابق


الخدمات العلمية