الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن خلط المغصوب بماله على وجه لا يتميز ، مثل : إن خلط حنطة ، أو زيتا بمثله ) . قال في الرعاية : ولم يشتركا فيهما . انتهى ( لزمه مثله منه في أحد الوجهين ) وهو المذهب . وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله . [ ص: 162 ] قال في القاعدة الثانية والعشرين : المنصوص في رواية عبد الله ، وأبي الحارث : أنه اشتراك فيما إذا خلط زيته بزيت غيره . واختاره ابن حامد ، والقاضي في خلافه ، وابن عبدوس في تذكرته ، والمصنف ، والشارح ، وصاحب التلخيص . وجزم به في المحرر ، والعمدة . قال في الوجيز : فهما شريكان . وقدمه في الخلاصة ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، وشرح ابن رزين ، والفروع ، وغيرهم . قال الحارثي : هذا أمس بالمذهب . وأقرب إلى الصواب . وفي الآخر : يلزمه مثله من حيث شاء . اختاره القاضي في المجرد . وقال : هذا قياس المذهب وأطلقهما في الهداية ، والمذهب ، والمستوعب ، والمغني ، والشرح ، والفائق ، والحارثي ، والزركشي ، وغيرهم . قال في الفروع : وقال في الوسيلة ، والموجز : يقسم بينهما بقدر قيمتهما . انتهى وقال الحارثي : وفيه وجه ثالث . وهو الشركة كما في الأول ، لكن يباع ويقسم الثمن على الحصة . كذا أطلق القاضي يعقوب بن إبراهيم في تعليقه ، وأبو الخطاب ، وأبو الحسن بن بكروس ، وغيرهما في رءوس مسائلهم . حتى قالوا به في الدنانير والدراهم . وقاله ابن عقيل في تذكرته . وأظنه قول القاضي في التعليق الكبير . انتهى . ثم قال : وأما إجراء هذا الوجه في الدنانير ، والدراهم : فواه جدا . لأنها قيم الأشياء ، وقسمتها ممكنة . فأي فائدة في البيع ؟ ورد هذا الوجه الأخير .

فائدة : هل يجوز للغاصب أن يتصرف في قدر ماله فيه ، أم لا ؟ . قال الإمام أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب : قد اختلط أوله وآخره . أعجب إلي أن يتنزه عنه كله ، ويتصدق به . [ ص: 163 ] وأنكر قول من قال : يخرج منه بقدر ما خالطه . واختار ابن عقيل في فنونه : التحريم . لامتزاج الحلال بالحرام فيه ، واستحالة انفراد أحدهما عن الآخر . وعلى هذا : ليس له إخراج قدر الحرام منه بدون إذن المغصوب منه . وهذا بناء على أنه اشتراك . وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أخرى : أنه استهلاك . فيتخرج به قدر الحرام ، ولو من غيره . قاله ابن رجب في القاعدة الثانية والعشرين .

قوله ( وإن خلطه بدونه ، أو بخير منه ، أو بغير جنسه ) يعني : على وجه لا يتميز ( لزمه مثله في قياس التي قبلها ) . قال القاضي ، في المجرد : قياس المذهب يلزم الغاصب مثله . واختاره في الكافي . وإليه ميل الشارح . وظاهر كلامه : أنهما شريكان بقدر ملكيهما . وهو المذهب . قال في الفروع : فشريكان بقدر حقهما كاختلاطهما من غير غصب . نص عليه في رواية أبي الحارث . قال الحارثي : وهذا اختيار من سميناه في الوجه الثالث . انتهى . قال في المذهب : هذا ظاهر المذهب . واختاره ابن عبدوس في تذكرته . وقدمه في المحرر ، والرعايتين ، والحاوي الصغير ، والخلاصة . وجزم به في الوجيز . وأطلقهما في الهداية ، والمستوعب والتلخيص . وقال القاضي أيضا : ما تعذر تمييزه كتالف يلزمه عوضه من حيث شاء . فشمل كلامه هذه المسألة والتي قبلها . فائدتان : إحداهما : لو خلط الزيت بالشيرج ودهن اللوز بدهن الجوز ، ودقيق [ ص: 164 ] الحنطة بدقيق الشعير ، فالمنصوص : الشركة . وعليه أكثر الأصحاب كالتي قبلها . وقد شمله كلام المصنف . وقياس المذهب : وجوب المثل عند القاضي . قال الحارثي : وهو أظهر .

الثانية : لو خلط درهما بدرهمين لآخر ، فتلف اثنان ، فما بقي بينهما أثلاثا ، أو نصفين . يتوجه فيه وجهان . قاله في الفروع . قلت : الذي يظهر : أن لصاحب الدرهمين نصف الباقي لا غير . وذلك لأنه يحتمل أن يكون التالف ماله كاملا . فيختص صاحب الدرهم به . ويحتمل أن يكون التالف درهما لهذا ودرهما لهذا . فيختص صاحب الدرهمين بالباقي . فتساويا . لا يحتمل غير ذلك ، ومال كل واحد منهما متميز قطعا ، بخلاف المسائل المتقدمة . غايته : أنه أبهم علينا .

التالي السابق


الخدمات العلمية