الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قوله ( وإن حفر في فنائه بئرا لنفسه : ضمن ما تلف بها ) . هذا المذهب . بلا ريب . نص عليه . وعليه الأصحاب . وجوز بعض الأصحاب حفر بئر لنفسه في فنائه بإذن الإمام . ذكره القاضي . قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : نقلته من خطه في مسألة حدثت في زمنه . قال في القاعدة الثامنة والثمانين : وفي الأحكام السلطانية : له التصرف في فنائه بما شاء من حفر وغيره إذا لم يضر . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : ومن لم يسد بئره سدا يمنع من الضرر : ضمن ما تلف بها . ويأتي ذلك أيضا في أول كتاب الديات .

فائدة : لو حفر الحر بئرا بأجرة أو لا ، وثبت علمه أنها في ملك غيره نص عليه ضمن الحافر . قاله القاضي ، وابن عقيل ، والمصنف ، وغيرهم من الأصحاب . وقدمه في الفروع . وقال : ونصه هما . وقدمه الحارثي ، وقال : هو مقتضى إيراد ابن أبي موسى يعني : أنهما ضامنان وإن جهل ضمن الآمر . وقيل : الحافر . ويرجع على الآمر . قوله ( وإن حفرها في سابلة لنفع المسلمين : لم يضمن في أصح الروايتين ) . يعني : إذا لم يكن فيه ضرر . وهذا المذهب بهذا الشرط . قال في الوجيز ، وغيره : إن كانت السابلة واسعة . وهو قيد حسن ، كما يأتي . جزم به ابن أبي موسى ، والقاضي في الجامع الصغير ، وأبو الفرج الشيرازي ، وغيرهم . قال في الهداية ، والمذهب ، والخلاصة : لم يضمن في أصح الروايتين . وصححه [ ص: 226 ] المصنف ، والشارح أيضا ، والناظم . وقدمه في الفروع ، والفائق ، والرعايتين والحاوي الصغير ، والمحرر . وعنه : يضمن . ولم يذكر القاضي غير هذه الرواية . قال الحارثي : وهذا له قوة . وإن كان المصنف وأبو الخطاب صححا غيره . وعنه : لا يضمن إن كان بإذن الإمام ، وإلا ضمن . قال المصنف ، والشارح : قال بعض أصحابنا : لا يضمن إذا كان بإذن الإمام . قال الحارثي : وهذه طريقة القاضي في المجرد ، وكتاب الروايتين ، وابن عقيل والسامري ، وصاحب التلخيص ، وغيرهم . انتهى . وهي طريقة صاحب المحرر أيضا . وقال بعض الأصحاب : ينبغي أن يتقيد سقوط الضمان عنه فيما إذا حفرها في موضع مائل عن القارعة ، بشرط أن يجعل عليه حاجزا يعلم به ليتوفى . تنبيهان : أحدهما : محل الخلاف : إذا كانت السابلة واسعة . فإن كانت ضيقة : ضمن بلا نزاع . قال الحارثي : لو حفر في سابلة ضيقة : وجب الضمان . لأنه لا يختلف المذهب فيه . وليس بداخل فيما أورده المصنف من الخلاف . وإن كان ظاهرا لا يراد يشمله ومحل الخلاف أيضا : لما حفر في غير مكان يضر بالمارة . فأما إن حفر في طريق واسع في مكان منه يضر بالمارة : فهو كما لو كان الطريق نفسه ضيقا . ولا فرق بين كونه لمصلحة عامة ، أو خاصة ، بإذن الإمام أو غيره .

الثاني : مفهوم قوله " لنفع المسلمين " أنه لو حفر لنفع نفسه : أنه يضمن . وهو كذلك ، أذن فيه الإمام أو لم يأذن . [ ص: 227 ]

فائدتان : إحداهما : لو حفرها في موات للتملك ، أو الارتفاق بها ، أو الانتفاع العام . فلا ضمان عليه . وقطع به الحارثي ، والمصنف ، والشارح ، وغيرهم . ذكراه في كتاب الديات .

الثاني : حكم ما لو بنى فيها مسجدا أو غيره لنفع المسلمين كالخان ونحوه نقل إسماعيل بن سعيد في المسجد : لا بأس به إذا لم يضر بالطريق . ونقل عبد الله : أكره الصلاة فيه . إلا أن يكون بإذن إمام . ونقل المروذي : حكم هذه المساجد التي بنيت في الطريق : تهدم . وسأله محمد بن يحيى الكحال : يزيد في المسجد من الطريق ؟ قال : لا يصلى فيه . ونقل حنبل : أنه سئل عن المساجد على الأنهار ؟ قال : أخشى أن يكون من الطريق . وسأله ابن إبراهيم عن ساباط فوقه مسجد ، أيصلى فيه ؟ قال : لا يصلى فيه إذا كان من الطريق . قال في القواعد : الأكثر من الأصحاب قالوا : إن كان بإذن الإمام جاز . وإلا فروايتان ، ما لم يضر بالمارة . ومنهم من أطلق الروايتين . قال المصنف ، والشارح : ويحتمل أن يعتبر إذن الإمام في البناء لنفع المسلمين دون الحفر ، لدعوى الحاجة إلى الحفر لنفع الطريق وإصلاحها ، وإزالة الطين والماء منها . فهو كتنقيتها ، وحفر هدفه فيها ، وقلع حجر يضر بالمارة ، ووضع الحصى في حفرة ليملأها ، وتسقيف ساقية فيها ، ووضع حجر في طين فيها ليطأ الناس عليه . فهذا كله مباح . لا يضمن ما تلف به . لا نعلم فيه خلافا . [ ص: 228 ] قالا : وكذلك ينبغي أن يكون في بناء القناطر . ويحتمل أن يعتبر إذن الإمام فيها . لأن مصلحته لا تعم . انتهى كلامهما . وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله : حكم ما بني وقفا على المسجد في هذه الأمكنة : حكم بناء المسجد . فائدتان : إحداهما : لو فعل العبد ذلك بأمر سيده : كان كفعل نفسه ، أعتقه أو لا ؟ . قاله المصنف ، والشارح ، وصاحب الفروع ، وغيرهم من الأصحاب . وقال الحارثي : إن كان ممن يجهل الحال : فلا إشكال فيما أطلق الأصحاب . وإن كان ممن يعلمه : ففيه ما في مسألة القتل بأمر السيد ، إن علم الحرمة . وفيها روايتان .

إحداهما : القود على السيد فقط ، والأخرى : على العبد . فيتعلق الضمان هنا برقبته . كما لو لم يأمر السيد . وإن حفر بغير أمر السيد : تعلق الضمان برقبته . ثم إن أعتقه . فما تلف بعد عتقه : فعليه ضمانه . قاله المصنف ، والشارح ، وغيرهما . قال الحارثي : وهو الأصح . وقال صاحب التلخيص وغيره : الضمان على المعتق بقدر قيمة العبد ، فما دونه .

الثانية : لو أمره السلطان بفعل ذلك : ضمن السلطان وحده .

التالي السابق


الخدمات العلمية